صعد المحتجون دعواتهم في تونس في سبيل إعادة العمل بدستور البلاد المعلق، وفي تلك الاثناء، انتفض المصريون، وعمت الإضرابات البلاد مما أدى إلى شل الحياة اليومية وإسقاط الحكومة. أما في ليبيا، فقد عمل الزعماء الإقليميون بحماس لتقوية جمهوريتهم المستقلة الجديدة.

كان ذلك في عام 1919، وقد برهنت أحداث تلك السنة على أن الانتشار الواسع للمعلومات عالمياً، ليس نتاج الانترنت ووسائط التواصل الاجتماعي وحدهما. فقد انتشر الخطاب الملهم للرئيس الأميركي وودرو ويلسون، والذي ساعد في إشعال انتفاضة 1919، عبر العالم عن طريق رسائل التلغراف. كما بينت أن الانتشار المدروس للتحركات الشعبية ليس ظاهرة جديدة، فأصحاب حملات فيسبوك المصريون هم التجسيد الحديث لشبكات الوطنيين العرب الذين دعوا في صحفهم إلى العصيان المدني في السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى.

كذلك، لعب الجيش التونسي دورا اقل أهمية في انتفاضة البلاد، مقارنة بما فعلت القوات المسلحة في الدول الأخرى، وعلى عكس القوات العسكرية في العالم العربي، مثل مصر، فان الجيش التونسي لم يسبق له أن خاض قتالا، ولا يهيمن على الاقتصاد المحلي. كان الجيش في ظلال الدوائر الأمنية المحلية للبلاد، حيث كان بن علي ضابط شرطة عسكرية سابقاً. وعلى الرغم من أن رفض الجيش دعم نظام بن علي، الأمر الذي ساهم في الثورة، إلا انه لم يشارك في إدارة المرحلة الانتقالية، ومن غير المرجح أن يكون له دور مهم في ما سينتج لاحقا.

وبما ان احتجاجات تونس هي التي أشعلت موجة عدم الاستقرار في العالم العربي، فقد كانت أكثر عفوية واقل تنظيما من الحملات المتعاقبة في الدول الأخرى. لكنها أظهرت قوة الحركة العمالية، حيث أشعلت الإضرابات المتكررة الاحتجاجات، قبل هروب بن علي وبعد استلام الحكومة اللاحقة التي لم تستمر كثيرا في الحكم، حيث ما لبث أن تم استبدالها لتحل محلها حكومة أخرى أكثر إذعانا للنقابات الرئيسية.

 

انقسام حاد

وقد اظهر المحتجون انقساما عمريا حادا في صفوف المعارضة، فالمظاهرات التي اشتعلت سريعا والمليئة بالشباب الغاضب جعلت جيل المنشقين عن النظام أيام الثمانينات يبدون مترهلين وخارج العصر. وكانت صور راشد الغنوشي العائد إلى تونس بعد مرور 20 سنة في المنفى قد عكست التغيير الجذري في أجندة حركة الاحتجاج التونسية.

ويمكن للتونسيين مرة أخرى أن يبرهنوا على انفتاحهم لتصور الإسلام السياسي الذي يمثله الغنوشي، فقط إذا ما كان بإمكان اتباعه ان يهيمنوا على خيال الشباب التونسي، الذين يعنيهم الحصول على ما يرونه حصتهم المستحقة لهم من ثروة البلاد وفرص التوظيف. ويتعين على القيادة التونسية بالتالي دمج جيل من الشباب في نظام يشجع الجدال السياسي المفتوح والخلافات، وعليها أيضا أن تستجيب لبعض المطالب، لاسيما المطالب الخاصة بالحركة العمالية.

وفي مصر، فإن كل شيء، بدءا من عملية الحصول على رخصة قيادة إلى التعليم، هو رسميا رخيص جدا، لكنه في الممارسة العملية مرتفع الثمن كثيرا، حيث تصاحب معظم المعاملات الرسمية وغير الرسمية دفعات ما تحت الطاولة. والشرطة تشتم منذ زمن لأنها كانت تمثل فرقة لابتزاز المال على مستوى البلاد، ومما عمق العداء لها غيابها في ذروة الاحتجاجات، وهو اعتبره العديد من المصريين محاولة مدبرة في سبيل جر البلاد إلى حال من عدم الاستقرار. إن عملية تطبيق مبادئ القانون الخاص بالديمقراطية يجب أن تبدأ من جهاز الشرطة نفسه، من خلال إعادة بناء الثقة بينه وبين الشعب.

ويشير السلوك المنضبط على نحو ملحوظ الذي أظهره المحتجون في مصر ونقاشاتهم المتلاحقة إلى مقدار التسامح غير العادي بالمقاييس الإقليمية لحرية التعبير في مصر ما قبل الثورة. وحملة تكريم خالد سعيد، وهو شاب قتلته الشرطة المصرية والذي أشعلت وفاته الانتفاضة، كانت بعيدة عن الخيال في تونس. كان المصريون مهيئين جيدا للانخراط في أحاديث جدية حول تشكيل حكومتهم المستقبلية، في الوقت الذي فهموا انه بمعزل عن النتيجة فان الجيش لن يسمح بأن يتآكل تفوقه بشكل جوهري. إن هذه الحكمة السياسية الكامنة ضمنا تعكس التغييرات التي لحقت بالمجتمع المصري خلال السنوات الـ 15 الماضية.

فقد كان المحتجون في ساحة التحرير يصارعون لإظهار مصر كبلد له روابط مجتمعية عميقة وقائمة على الثقة، والتي تجسدت في الانضباط الهائل للمتظاهرين، وصمودهم السلمي ورفضهم أي إثارة من قبل البلطجية والمخربين، وقدرتهم على المحافظة على الأمن وتنسيق مطالبهم، كذلك على التنظيم من دون أي قيادة مركزية. ولعل أفضل مثال لهذه الروح المتمسكة بالمساواة تمثل في ظهور تعبئة عفوية للمواطنين، في المجتمعات الغنية والفقيرة، للحفاظ على النظام بعد تراجع الشرطة عن الشوارع. كل هذه التطورات تعطي سببا للتفاؤل اليوم حول احتمالات مصر المستقبلية لبناء مجتمع منفتح ومستدام.

 

حطام ليبيا

وفيما نجح المتظاهرون في تونس والقاهرة في طرد حكامهم السابقين، انهارت طرابلس إلى حرب أهلية متطاولة. ويعزى القتال المستمر إلى جهود الزعيم الليبي معمر القذافي على مدى أربعة عقود، في تعزيز سلطته برعاية الأقرباء والقبائل. فبعد سنوات من الندرة المصطنعة في كل شيء، بدءا من السلع الاستهلاكية البسيطة ووصولا إلى الرعاية الطبية، انتشرت حالة من الفساد واسعة النطاق. وقد خلقت قسوة نظام القذافي ونزواته شكوكا متأصلة في المجتمع. اضمحلت ثقة الليبيين في حكومتهم وببعضهم بعضا، فاتخذوا الملاذ في عزاء القبيلة والعائلة. لقد تم شرخ المجتمع الليبي، وانقسمت جميع المؤسسات الوطنية بما في ذلك الجيش، بانقسامات القرابة والمناطق. وبعكس تونس ومصر، ليس لدى ليبيا نظام من التحالفات السياسية، أو شبكة من المؤسسات الاقتصادية، أو منظمات وطنية من أي نوع.

بالتالي، ما بدا في البداية كاحتجاجات سليمة شبيهة بتلك التي شهدناها في تونس ومصر، سرعان ما تحول إلى انفصال شامل، أو جملة انقسامات مستقلة في دولة فاشلة.

إن ليبيا تحت حكم القذافي لديها أثار من حقبة الفاشية الايطالية ابان الاستعمار: التبذير والدوغمائية والوحشية، وباسم «ثورته الدائمة» منع القذافي الملكية الخاصة وتجارة المفرق، وحظر الصحافة الحرة، ودمر الإدارة المدنية والقيادة العسكرية.

وفي ظل غياب أي بيروقراطية تابعة للقطاع العام، بما في ذلك جهاز الشرطة، أمنت شبكات الأقرباء السلامة والأمان وإمكانية الوصول للسلع والخدمات. ومن خلال هذه الشبكات انشرخ المجتمع الليبي وانكشفت قدرة النظام على اتباع سياسة فرق تسد في بداية الاحتجاجات. في تلك الأثناء، وزع القذافي قواته المسلحة على شكل نظام من الوحدات العسكرية تعمل بشكل غير منسق عن قصد، وهذا ما منع القوات التي التحقت بالمعارضة من التنظيم بشكل فعال أو من نشر معدات عسكرية معقدة. ان هذا الفقدان للتماسك الاجتماعي المؤسسي سوف يعيق أي انتقال واعد إلى الديمقراطية، وعلى ليبيا أولا أن تستعيد استقرارها وأن تدخل حكم القانون والنظام، المفقود لعقود تحت نظام القذافي.

وبالقدر الذي تظهر فيه هذه المهمة محبطة للآمال، فان مصاعب إضافية تبدو في الأفق، لاسيما إعادة إحياء الثقة عبر القبائل والمناطق، وإعادة بناء الإدارات العامة، وتقوية المجتمع المدني من خلال الأحزاب السياسية والإعلام المفتوح والمنظمات غير الحكومية. إن عقوداً من الانعزال عن العالم في ليبيا تركت أجيالاً أعمارها ما بين الثلاثينات والأربعينات، وهم الذين من المرجح أن يستلموا القيادة في ليبيا الجديدة، غير مجهزين لإدارة البلاد، فيما آخرون جرى تحييدهم من قبل النظام قد يخسرون مكانتهم إذا ما سقط القذافي. والتحديات التي تواجه ليبيا هي تحديات بسيطة، لكنها في الوقت نفسه أكثر إرباكا من تلك التي تواجه تونس ومصر، فهي ليست دمقرطة الدولة بل بناء الدولة، بالإضافة إلى إعادة بناء هوية وطنية متماسكة وإدارة عامة من داخل خرائب القذافي.

 

تحديات المستقبل

إن الناشطين الشباب في كل دولة كانوا يتشاركون الأفكار والتكتيكات والدعم المعنوي، لكنهم كانوا يواجهون خصوماً مختلفين، ويعملون في مواقع ذات مضامين مختلفة. فبينما في تونس ومصر يواجه هؤلاء بناء المؤسسات السياسية والدساتير والأحزاب السياسية وأنظمة الاقتراع، في ليبيا، سوف يحتاجون للبدء ببناء مبادئ المجتمع المدني. وفيما تصارع مصر مع اليد الطولى للحكم العسكري، فانه يتعين على تونس وليبيا إعادة صياغة العلاقة بين عاصمتيهما المتميزتين والمناطق النائية الكئيبة. وبالقدر الذي يبدو مغريا أن تعامل الانتفاضات العربية كحركة واحدة ، فإن أسبابها ومهامها المستقبلية تظهر الاختلافات العديدة بينها.

وهذه التمايزات سوف تهم الولايات المتحدة وحلفاؤها. في يونيو 2009، وبعد 90 سنة من موافقة وودرو ويلسون العلنية على حق تقرير المصير.