حينما قام الفلسطينيون على امتداد العالم في بداية هذا العام بإحياء ذكرى الحرب التي شنتها إسرائيل في 2008-2009 على قطاع غزة، كان بمقدور القلائل فحسب أن يروا أي أمل على الإطلاق. فقد كان القطاع لا يزال تحت الحصار، والمصالحة الفلسطينية بعيدة عن التحقق، والعرب بلا فائدة، والولايات المتحدة غير قادرة أو غير راغبة في التوسط لاستئناف المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
ثم اندلعت الثورات العربية وانتقل المناخ النفسي في صفوف الفلسطينيين من اليأس إلى الابتهاج، وبعد وقت قصير من تنحي الرئيس المصري حسني مبارك عن السلطة زرت صديقي خالد مشعل الأمين العام لحركة حماس في مقره بدمشق، قال لي إنه على يقين من أن التغيير في مصر، والذي توقع أن يتلوه تغييرات في دول عربية أخرى، يعني أن الوقت لن يطول قبل أن تتحرر فلسطين.
وأبلغني أصدقائي في غزة بالشيء نفسه، وكذلك أقاربي في الخليل وفي المنفى، حيث اتفقوا جميعاً أن نظام مبارك كان حائلاً دون حرية الفلسطينيين، وبمجرد تحرر الشعب المصري فإن نظاماً ديمقراطياً أصيلاً في مصر سيساند الفلسطينيين.
اعتقد الفلسطينيون أنه، في المدى القصير على الأقل، فإن مصر ما بعد مبارك لن تشترك في حصار قطاع غزة، الذي لا بد له من أن ينهار كلية إذا فتحت مصر معبر رفح بين سيناء والقطاع.
ورصد الفلسطينيون رد الفعل الإسرائيلي على انهيار نظام مبارك، ولم يدهشهم أن يروا أن القلق الشديد يستبد بإسرائيل، فلقد كان مبارك حليفاً يساهم في أمن إسرائيل في شرق أوسط شديد العداء لها.
وبدأ الفلسطينيون يتصورون ما الذي يمكن أن يحدث إذا وقعت تطورات من النوع نفسه في بلاد عربية أخرى. فعندئذٍ ستفقد إسرائيل أهم حلفائها في المنطقة، وستجد السلطة الفلسطينية نفسها معزولة، وذلك بعد أن جرحت بعمق من خلال ما كشفته قناة الجزيرة وصحيفة «غارديان» البريطانية حول التنازلات غير المسبوقة التي عرضها فريق مفاوضيها سراً على الإسرائيليين.
ولكن على الرغم من أن الثورتين التونسية والمصرية ألهمتا العرب المطالبة بالإصلاح السياسي أو تغيير النظم، إلا أن ذلك لم يحدث في الدول التي تطلع الفلسطينيون إلى أن تشهد تطورات من النوع نفسه، حيث كانت هناك تظاهرات محدودة، ولكن المطالب انصبت بصفة عامة على الإصلاح السياسي وليس على تغيير النظام. وبالمقابل شهدت اليمن وليبيا وسوريا أحداثاً أكثر دراماتيكية سرعان ما تصاعدت بشدة.
عندما رأيت خالد مشعل في فبراير الماضي لم يكن يتوقع أي اضطرابات في سوريا، فقد كان يعتقد أن صانعي القرار السياسي السوري أقل ضعفاً، بسبب تأييدهم للمقاومة في لبنان وفلسطين، وكذلك بسبب موقفهم المعادي للإمبريالية، ولكن التضامن مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية لم يكن كافياً لمنع الاضطرابات في الشارع السوري، الأمر الذي أثار قلق الفلسطينيين فاندفعوا للإعراب عن تأييدهم للوضع القائم في سوريا، ولكن حماس لزمت الصمت الأمر الذي أثار استياء دمشق.
على امتداد سنوات طويلة، مضت إسرائيل تزعم أنها النظام الديمقراطي الوحيد في الشرق الأوسط، ومع ذلك فإن السياسيين الإسرائيليين قد ناشدوا الولايات المتحدة التدخل في مصر لمنع سقوط مبارك، وشنوا حملة من أجل إبقائه في السلطة، ومن الواضح أن إسرائيل تعتقد أنها يمكنها الاعتماد على الدكتاتوريين العرب الذين يهتمون بالسلطة والثروة الشخصية أكثر من اهتمامهم بخدمة أممهم، دع جانباً خدمة القضية الفلسطينية.
أياً كانت الطريقة التي ينظر بها المرء إلى الثورات العربية فإنها أفضل ما حدث للفلسطينيين على امتداد عقود من الزمن.
