بعد وقت قصير من بدء الثورات العربية تدفق ألوف من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الشوارع، غير أنهم خلافاً لنظرائهم في المدن العربية الأخرى، كانوا يهتفون من أجل جهود جديدة لوحدة الصف الفلسطيني، وليس من أجل قادة جدد. وفي الوقت نفسه، فإن كلاً من السلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها حركة فتح في الضفة الغربية، وحكومة حماس القائمة على الأمر الواقع في قطاع غزة، أعربتا عن رغبتهما في إعادة توحيد الصف الفلسطيني منذ القطيعة بينهما قبل 4 سنوات.

ولكن العداوة والخلافات بينهما كانت أكبر من أن يتم التغلب عليها. ومع انطلاق مسيرة الربيع العربي أدرك القادة الفلسطينيون أنهم سيحتاجون إلى تجديد شرعيتهم من الداخل، وأن إعادة توحيد الصف الفلسطيني ستكون أفضل رهان لهم. ومن المحقق أن اتفاق الوحدة بين فتح وحماس ما كان ليتم توقيعه لو أن الانتفاضات العربية الراهنة لم تغير الأقدار السياسية للطرفين.

الآن يلتزم الفلسطينيون بمسار خطر، فالكثير من تفاصيل اتفاق الوحدة المهمة تظل مجهولة أو بلا حسم. وعلى الرغم من أنت الفلسطينيين قد يكونون على الدرب المفضي إلى إعادة توحيد الصف الفلسطيني، فإن المصالحة الحقيقية ليست أمرا محتمل الحدوث ومفاوضات السلام مع إسرائيل مؤجلة في المستقبل المنظور. والاقتراع في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل لمنح فلسطين العضوية لن يؤدي إلا إلى تعقيد الأمور، حيث يمكن أن يفضي إلى تصرفات إسرائيلية أحادية الجانب على الأرض، وإلى تجدد العنف الإسرائيلي-الفلسطيني.

اضطراب وجمود

عندما انطلقت الانتفاضات العربية ابتداء من تونس في ديسمبر الماضي كانت الحياة السياسية الفلسطينية يجتاحها الاضطراب بالفعل، وكان الجمود يهيمن على المفاوضات مع إسرائيل حول إنشاء دولة فلسطينية من دون أن يبدو في الأفق احتمال لاستئنافها. وفي غضون ذلك كانت حماس تنتقد الرئيس الفلسطيني محمود عباس والسلطة الفلسطينية وتعقب بشدة على نشر 1600 وثيقة داخلية للسلطة الفلسطينية سربتها قناة الجزيرة، وصورت المفاوضين الفلسطينيين المشاركين في عملية السلام على أنهم منسجمون مع إسرائيل بعد مؤتمر أنا بولس للسلام في 2008، دون أن يحصلوا على أي شيء للشعب الفلسطيني.

وفي الأيام التي أعقبت ذلك قدم صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين استقالته. وفي الضفة الغربية شدد قادة السلطة الفلسطينية، الذين سعوا طويلا للوصول إلى السلام مع إسرائيل كدرب يفضي إلى إنشاء دولة فلسطينية، شروطهم لاستئناف مفاوضات السلام. وفي غضون ذلك أدان المحتجون في قطاع غزة السلطة الفلسطينية لاستعدادها لتقديم تنازلات أساسية وخاصة فيما يتعلق بالقدس واللاجئين الفلسطينيين.

وفي فبراير الماضي جاء تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن السلطة بمثابة صدمة، وخاصة بالنسبة لمحمود عباس، فقد ساعد مبارك على امتداد حكمه في الحفاظ على شرعية سعي السلطة الفلسطينية للوصول إلى السلام عبر التفاوض مع إسرائيل، وذلك من خلال التمسك بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وكذلك من خلال القيام بدور نشط في الحياة السياسية العربية. كما قدم مبارك أيضا خط اتصال بين محمود عباس وبين الزعماء الإسرائيليين، وقدم نوعا من الرعاية السياسية لعباس.

الآن ومع هيمنة الجمود على المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية واندلاع الاضطرابات على امتداد العالم العربي واختفاء الغطاء السياسي الذي قدمه مبارك، فإن القادة الفلسطينيين يحاولون نقل الأجندة الوطنية من التوصل إلى السلام مع إسرائيل باتجاه إعادة تكريس الشرعية والوحدة داخليا خوفا من وصول عدوى المطالبات بتغيير النظام إلى الأراضي الفلسطينية.

وفي فبراير الماضي دعا الرئيس محمود عباس رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض، وهو شخصية مستقلة، إلى حل حكومة السلطة الفلسطينية وتشكيل حكومة جديدة. وفي غضون ذلك دعت منظمة التحرير الفلسطينية إلى إجراء انتخابات بلدية على امتداد الضفة الغربية وقطاع غزة في يوليو المقبل، وإلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعد أقصاه سبتمبر المقبل.

 

أفق مفتوح

عندما انطلق الألوف في قطاع غزة في الشوارع يهتفون من أجل المصالحة مع الضفة الغربية استخدمت الحركة العنف لقمعهم، وواصلت رفض دعوة عباس إلى تشكيل حكومة وحدة جديدة تتألف من عناصر مستقلة، وتشبثت بمطلبها لتشكيل حكومة مؤقتة تضم في صفوفها أعضاء من حماس.

وعلى الرغم من الاحتجاجات الشعبية في قطاع غزة فإن حماس بدا أن نجمها يزداد سطوعا، إلى أن شهدت سوريا موجات احتجاج بدورها، وأدى موقف الحياد الذي التزمته حماس حول ما يجري في سوريا إلى توتر علاقات قادة حماس، الذين يقيم الكثير منهم في دمشق، مع النظام السوري.

وقد وافقت حماس على تقديم تنازلات كبيرة هي التي جعلت اتفاق الوحدة مع فتح ممكنا، وفي المفاوضات السرية التي جرتا بين الجانبين برعاية مصرية، تخلت حماس عن إصرارها الذي دام طويلا على المشاركة في الحكومة المؤقتة الجديدة، وفي الرابع من مايو وقع خالد مشعل الأمين العام للحركة، ومحمود عباس اتفاق الوحدة الفلسطينية، ولا يزال الأفق الفلسطيني مفتوحا على مزيد من التطورات التي لا يستطيع أحد بعد التكهن بالاتجاه الذي ستمضي فيه.