هناك فرقان واضحان بين الحماس العروبي أيام ناصر وحالة عدم الاستقرار السياسي اليوم. الأول هو أن الإيديولوجية المهيمنة لثورة ناصر، أي النزعة العروبية قد ركزت على التهديدات الخارجية والاستقلال عن الإمبريالية ومواجهة إسرائيل، في مقابل المطالبة بالوظائف والتمثيل السياسي في الموجة الثورية الحالية، أما الفرق الثاني فيتمثل في وجود زعيم، وهو ناصر، قاد الأحداث أو ظهر أنه يقودها خلال الخمسينات، في مقابل كون أحداث اليوم ممارسات من الفوضى المتزامنة.
لكن الروح الشعبية الكامنة في الثورتين متشابهة إلى حد كبير، واليوم كما في الأمس، آمن الناس بأن النظام القائم تهيمن عليه زمرة فاسدة تستغل الدولة لمصالحها الخاصة. وفي حين أدرك الخيال الشعبي في الخمسينات أن الطبيعة غير التمثيلية للنظام هي ثمرة الامبريالية، يعزي الشعب اليوم المشكلات إلى أسباب داخلية.
لم تكن سلطة ناصر قوية كما قد تفضي إلى الاعتقاد الأسطورة التي دارت حوله. كان أهم انجازاته إقامة تحالف غير رسمي ضد الامبريالية، من خلال مساعدة القوى التي تقف ضد الوضع الراهن والتي كانت تعمل مستقلة عنه، وقد تفككت حركته العروبية بمجرد أن حققت هدفها المباشر بطرد الامبرياليين، وعلى مدى العقد التالي، كانت السياسة العربية أكثر فوضوية من أي فترة في التاريخ المعاصر.
وتبقى الطبيعة الفوضوية للسياسة العربية أمراً ثابتا، كذلك صعوبة التمايز بين «المحلي» و«الأجنبي» لاسيما في اللحظات الثورية. وهذه الثوابت تشير إلى أن الثورة اليوم سوف تقود أيضا إلى موجة من الاضطرابات تمتد لفترة ممتدة في الزمن.