عاد لاعب استراتيجي إلى المسرح الشرق الأوسطي بعد غياب طويل، وهذا اللاعب هو الشعب. فقد قام محتجون في العديد من الدول العربية بالمطالبة إما بإصلاحات شاملة أو بثورة كاملة، وهذه هي المرة الثانية في التاريخ المعاصر التي تجتاح فيها هذه المنطقة موجة شعبية بتلك الأهمية، انطلقت شرارتها هذه المرة من تونس، وهي تمثل الثورة العربية الثانية.
قبل نصف قرن مضى هزت سلسلة من الحركات ذات الطابع القومي العربي الأرض تحت أقدام الحكام العرب، وكان المحفز المباشر لتلك الصدمة الثورية أزمة قناة السويس، التي خرج منها الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، ذو الشخصية الكاريزمية، منتصراً. وتلا ذلك سقوط أنظمة وتوحد بلدان وتشرذم أخرى واشتعال صراعات مسلحة.
وفي الوقت الذي تتوسع المشاركة الشعبية وتتراجع قوة الدولة، تتسارع ديناميتان ترتبطان معاً، أولاً سوف تزداد أعداد اللاعبين الهامين سياسيا داخل كل دولة، وثانياً سوف ينشئ بعض هؤلاء اللاعبين علاقات عابرة للحدود الدولية. وسوف تستفيد قوى تخريبية من هذا التغيير، وسوف تجد حركات عابرة للقوميات ومعادية لمصالح الولايات المتحدة، مثل القاعدة وجماعة الإخوان المسلمين، تربة خصبة لتحركاتها، وسوف تعطي قابلية نفاذ السياسة العربية عبر الحدود بعض الدول فرصا أكبر للتدخل في شؤون جيرانها. وهذا التدخل سيتخذ أشكالا عدة، مثل رعاية غير مباشرة لأنصار عبر الحدود أو إنشاء شبكات فضفاضة مرتبطة أو التشكيل المعلن لوكلاء إقليميين، وسينتج عن ذلك احتكاك قوي، وسوف تمر سنوات قبل أن ينبعث نظام مستقر.
تكتل المقاومة
ويتعين على الولايات المتحدة أن تحدد المبادئ المركزية التي سترشد عملية بناء نظام جديد مستقر. يرى البعض هذا الأمر من منظور توسيع قاعدة المشاركة السياسية وتشجيع الديمقراطية، والبعض الآخر يتجنب المبادئ الشاملة كلية، مشيراً إلى تعقيدات المنطقة، ويحرض على مقاربة براغماتية تطال كل بلد على حدة. لكن هناك وجهة نظر ثالثة ترى في السلام العربي الإسرائيلي الخطوة الرئيسية الأولى لإعادة إحياء نظام تقوده أميركا في المنطقة.
وعند دراسة هذه النماذج الثلاثة، على إدارة أوباما أن تتذكر أنها ليست اللاعب الوحيد الذي يحاول إعادة تشكيل الاضطرابات. وعلى الرغم من عدم وجود شخصية كناصر تحلق فوق الأحداث الثورية، إلا أن هناك دولة تسعى إلى تكرار دور مصر التاريخي، وهي إيران.
في ظل ناصر، خاصمت مصر الامبريالية، وتقوم إيران اليوم باتخاذ موقف مماثل ضد الولايات المتحدة. وكما فعل ناصر، قامت إيران بتشكيل تحالف معاد للوضع الراهن مكون من إيران وسوريا بالإضافة إلى حزب الله وحماس.
واللجوء إلى العنف في العراق الذي وصل إلى ذروته في 6002 يقدم مثالا لما يمكن أن تشهده المنطقة. كان العنف العشوائي في العراق بمثابة ظلال حروب بين تحالفين: نظام يدعو للحفاظ على الوضع الراهن تقوده الولايات المتحدة، ويسعى إلى دعم الاستقرار في المنطقة تحت الهيمنة الأميركية، وذلك من خلال بناء أنظمة سياسية أكثر توافقية، وفي المقابل، تحالف معاد للوضع الراهن يسعى إلى تقويض الجهود التي تقودها الولايات المتحدة. والصراع بينهما غير متكافئ. فالقوى المتصدية للوضع القائم لا تعتقد أن بإمكانها المنافسة مع الولايات المتحدة، لكنها تؤمن أن بإمكانها استنزافها.
وتعتمد هذه السياسة الاستنزافية على الفوضى الكامنة في الشرق الأوسط. وبالتالي فإن حروب الظل في العراق كانت مقدمة لمنافسة إقليمية وشيكة، وفيما توسع الموجة الثورية المشاركة السياسية، فان تكتل المقاومة سوف يتسلل داخل الأوضاع السياسية لعدد من الدول العربية. وفي الدول المنقسمة اثنيا وقبلياً وطائفيا، مثل العراق، سوف يستخدم العنف والتحالفات على الأرض، وفي الدول المتماسكة والأكثر استقرارا، مثل مصر، سوف يعتمد وسائل التحريض للعنف ضد إسرائيل.
العودة للسلاح
وفيما الولايات المتحدة تسعى إلى بناء نظام جديد في الشرق الأوسط، من المفيد أن نتذكر ما حصل في مسار الثورة العربية. جاء الرئيس الأميركي الأسبق دوايت إيزنهاور إلى السلطة وبنيته حل الصراع العربي الإسرائيلي، وتدخل ناصر، مثل دمشق اليوم، مشعلا النار ضد الإسرائيليين ومطلقا شعلة الثورة.
ليس تكتل المقاومة اليوم في موقع محاكاة انجازات الرئيس المصري الراحل جمال عبد ناصر، على هذا الصعيد، فالمقارنة لا تصح هنا، لكنه بالتأكيد أظهر مقدرة على ركوب موجة التحدي بشكل لا يجب التقليل من أهميته، وقد تحدى الولايات المتحدة على عدد من الجبهات الحساسة.
لقد طور تكتل المقاومة رادعاً لأي هجوم تقليدي ضد بنيته التحتية، وذلك بفضل قدرات متنوعة علنية وسرية في لبنان وغزة والعراق والخليج وأفغانستان. وفي لبنان، تمكن حزب الله أخيرا من إحراز سيطرة فعالة على الوضع هناك. وفي العراق، فان الجهود الخفية المشتركة لتكتل المقاومة أطالت أمد الحرب وزادت التكاليف على الولايات المتحدة. وأخيرا، في نصف العقد الأخير، أشعلت حماس وحزب الله صراعات رئيسية مع إسرائيل، مما عقد العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها. وبالتأكيد سوف يستمر التكتل في هذه الجهود محاولاً تشكيل نظام إقليمي لمصلحته، وسوف يفعل ذلك بطرق لا تستطيع أميركا أن تجاريه فيها.
دعوة للعدالة والكرامة هي أيضا الدافع للثورة العربية الأولى، لقد شكل ناصر رمزا لتطلعات الشعب في الخمسينات، وقد تم اختطافها في النهاية من قبل رجال مدججين بالسلاح. والثورة الثانية اختارت ممثلها البوعزيزي، وهو شخصية من نوع مختلف لم يكن يريد أكثر من وقفة عادلة في الحياة، لكن البوعزيزي الذي يرمز إلى انتصار الروح الإنسانية توفي مفلساً. والرجال المدججون بالسلاح يختبئون في الظل، وما زالوا قادرين على لعب دور حاسم في تكوين الشرق الأوسط.
وقد جعلت إدارة أوباما عملية السلام العربي الإسرائيلي المبدأ المنظم لسياستها الشرق أوسطية. وقد سعى أوباما في خطابه في يونيو 9002 في القاهرة إلى إظهار النوايا الحسنة الأميركية، ونتيجة لذلك، توسعت عملية السلام إلى أكثر من مجرد أداة عملية لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وجيرانها. لقد أوجد البيت الأبيض البيئة التي تجعل أي تخل عن عملية السلام أمرا غير ممكن الحدوث، وحتى لو فشلت المفاوضات فيجب أن تستمر عملية السلام لإظهار النوايا الحسنة للولايات المتحدة.
من البداية، آمنت إدارة اوباما بأهمية المضي في تسوية شاملة، أي معاهدة سلام تتضمن ليس الفلسطينيين فقط بل أيضا جميع الدول العربية، خصوصا سوريا، وبما أن الإدارة الأميركية فشلت في إحراز تقدم في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، فقد أصبح المسار السوري أكثر أهمية. وعليه اختارت واشنطن معاملة سوريا ليس كخصم يستحق الاحتواء وإنما كشريك في المفاوضات. وفي الواقع، فان إدارة اوباما ترى عملية السلام كأداة للتودد إلى سوريا وإبعادها عن إيران، وكحافز لها لإخماد العنف في الصراع العربي الإسرائيلي، لكن السوريين يفهمون رغبة واشنطن جيدا، ويرون فيها فرصة لعقد الصفقات.
وتسعى سوريا إلى مبادلة المشاركة في العملية الدبلوماسية والتي لا تكلفها شيئا بفوائد ملموسة من واشنطن، بما في ذلك تخفيض العداء تجاهها. باختصار، يعتقد السوريون أن بإمكانهم الحصول على ما يريدون باعتماد الطريقين معاً.
