إذا أردنا أن نحكم على الأوضاع في مصر انطلاقا من شوارع القاهرة في صباح يوم 19 آذار 2010، فإن جانباً هاما من المقيمين في المدينة والبالغ عددهم 19 مليون شخص بدوا مشاركين في الاستفتاء الدستوري الذي أجري خلال ذلك اليوم، فقد خلت الشوارع من السيارات والمارة، فيما بدت علامات الحياة الوحيدة حول مئات المقرات المخصصة للاستفتاء.
كان قد مضى حوالي 5 أسابيع على تنحية الرئيس المصري السابق حسني مبارك، وكان المصريون يقترعون على امتداد البلاد على حزمة مؤلفة من تسعة تعديلات دستورية إما بنعم أو بلا. فإذا فازت الأصوات المؤيدة للتعديلات كلها، فسيؤدي ذلك إلى إجراء انتخابات برلمانية بحلول يونيو المقبل، معيدة السلطة إلى حكومة من المدنيين، بعد الاستلام المؤقت للعسكر. أما إذا حصدت معارضة التعديلات النسبة الأكبر من الأصوات فقد تكون البلاد أمام بداية لإصلاحات سياسية من جديد، أو قد تدفع بالعسكر إلى اتباع استراتيجية مختلفة.
وعلى الرغم من الضغوط التي مارسها الناشطون في سبيل إعادة فحص دقيق وشامل للدستور، إلا أن توصيات الهيئة، والتي تم التوصل إليها في غضون أيام، جاءت مختصرة إلى حد بعيد، وفي 26 فبراير، أعلن العسكر عن تسع مواد فقط مطروحة للتعديل، يتم التصويت عليها خلال ثلاثة أسابيع.
ومن البداية كان واضحاً علام يجري التركيز. ففي الوقت الذي تركت العديد من مطالب المحتجين، مثل العملية الانتخابية، دون معالجة، فان التغييرات المطروحة كشفت بعضا من القلق الذي يساور العسكر، مثل الخوف من التدخل «الأجنبي» في شؤون البلاد.
والتعديل الأكثر أهمية ضمن التعديلات يتضمن تقليص ولاية الرئيس عامين لتصل إلى أربع سنوات، والسماح للمستقلين بالترشح، ومنع من يحمل جواز سفر أجنبيا أو لديه زوجة أجنبية من الترشح، كذلك تكريس سلطات تشريعية جديدة تتيح المجال لإعادة النظر لاحقا بالدستور من قبل هيئة معينة من قبل البرلمان الجديد.
وعلى الرغم من أن القادة العسكريين قد التقوا مع ناشطين قبل الإعلان عن الاستفتاء، إلا أن زعماء المحتجين شجبوا التعديلات سريعا لكونها غير وافية.
وقد قالت لي الناشطة إسراء عبد الفتاح: «التعديلات المقترحة هي غير وافية كليا، ونحن غير مستعدين للانتخابات. ونحتاج إلى سنة على الأقل لرفع الوعي وإعداد الناس للانتخابات».
وفي الأسابيع السابقة للاستفتاء كانت هناك مكاسب قليلة إضافية للثورة. ففي مارس 5، اجتاحت حشود من الناشطين مكاتب أمن الدولة على امتداد البلاد، لكن حركة المعارضة كانت قد بدأت تتناثر. فقد انتشرت تقارير عن وجود لصوص وغياب للقانون، وتم إشعال التوتر بين المسلمين والأقباط.
وفي إحدى المظاهرات الداعمة لحقوق المرأة في 8 مارس، قام بلطجية بضرب الحشود، في هجوم يذكر بالعنف الذي استخدم ضد انتفاضة ساحة التحرير سابقا. وفي خضم تلك الحالة المتفاقمة من القلق، رأى العديد ممن شاركوا في الانتفاضة أن الاستفتاء قد طرح سريعا، وهو غير مدروس جيدا، ودعوا إلى تأجيله.
وبعد ساعة، قررت التوجه إلى مقر للتصويت قرب البرلمان، وهو يبعد دقائق عن ساحة التحرير حيث قام عمرو موسى، الأمين العام السابق للجامعة العربية بالتصويت بلا، داعيا إلى صياغة دستور مؤقت يحضر لانتخابات رئاسية يتبعها إعادة صياغة مستقلة للدستور في السنة المقبلة.
وعندما وصلت إلى هناك رأيت محافظ القاهرة، عبد العظيم وزير، يقفز أمام الصف ويدلي بصوته. وكان رجل يراقب غاضبا فصرخ: «بعض الأشياء لا تتغير» وقد قام مئات من المقترعين ينشدون الأنشودة المألوفة «ارحل».
وكان ناشطون من مؤيدي الديمقراطية قد اتهموا العسكر بأنهم قد ابرموا اتفاقا لتقاسم السلطة مع الإخوان، في سبيل الحفاظ على إمساكهم بمقاليد الحكم. ولم تتخذ القوات المسلحة موقفا صريحا حول التعديلات، لكنهم بعثوا برسائل نصية تدعو الناس إلى المشاركة في الاستفتاء باعتباره تصويتا «للديمقراطية». وفي حين تركوا للإخوان المسلمين حرية إجراء حملة مؤيدة للتعديلات الدستورية، قاموا بمضايقة الناشطين الشبان الرافضين للتعديلات المقترحة، واعتقلوا العديد منهم قبل يوم من الاستفتاء. لكن، منى مكرم عبيد العضوة السابقة بمجلس الشعب تشكك بالمزاعم حول تواطؤ العسكر مع «الإخوان». وقد قالت لي: «إنهم متحمسون للعودة إلى ثكناتهم». أما قادة الجيش السابقون فقد أشاروا إلى عدم الاستقرار على الحدود المصرية الليبية، وقالوا لي أيضا إن الجيش يريد العودة إلى وظيفته الطبيعية.
ويبدو الأمر الأكثر قابلية للتصديق هو ان القادة العسكريين ينظرون إلى جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها الشيطان الذي يعرفونه، فحتى في ظل وجود تمثيل إسلامي واسع في البرلمان، فإنهم يفهمون كيف يتعاملون معه. أما «الإخوان» الذين سبق أن أعلنوا أنهم سيحصدون 30 إلى 40٪ من المقاعد البرلمانية، فقد قالوا إنهم يعيدون النظر بتلك النسبة. ومن المتوقع أن تقوم أطراف إسلامية أخرى بالاشتراك في الحملة بشكل مستقل، بما في ذلك حزب الوسط الإسلامي الذي أجيز حديثا.
ان برلمانا من ثوار شبان قد يهدد موقع العسكر، حيث ان الجيش هو العمود الفقري للنظام منذ عقود. وقد قال لي أحد الناشطين ويدعى باسم: «المؤسسة العسكرية ليست مؤسسة راديكالية، فلماذا يدعموننا؟ لقد استجابوا لمطالبنا فقط عندما كنا حشدا مؤثرا».
زرت عدة مراكز اقتراع، ولم اشعر بتلك العدائية كما في شبرا. لكن تقارير وصلتني بأن بلطجية منعوا البرادعي من دخول مركز الاقتراع، وتم توزيع صورة تظهر سيارته وشظايا من الزجاج تغطي مقاعدها.
وبالرغم من كل ذلك، فان الاستفتاء قد يكون أكثر الاستفتاءات شرعية في تاريخ البلاد. يقول أستاذ القانون عمر الشلقامي لشبكة الجزيرة «كانت نظيفة، لكن لم تكن منصفة». لقد كان عمر محقا ، فان القليل من الناس كانت لديهم معرفة جازمة بما يعني التصويت بنعم أم بلا. فبالنسبة للمؤيدين، ظن معظم الناس أنها تعني حلولا سريعة لمشكلات البلاد الاقتصادية. حتى طريقة تصميم الاقتراع بدت أنها تشجع هذه الفكرة: فدائرة النعم كانت مضيئة وواعدة بلون اخضر، فيما دائرة اللا كانت سوداء.
ومع حلول صباح الأحد، كانت النتائج الأولية تتوالى. ولاحقا، عندما نشرت النتائج الرسمية المائلة إلى النعم، اختلفت ردود الأفعال. في بعض الأحياء، احتفل الناس بالألعاب النارية، وفي غيرها احتفلوا لمجرد الحصول على حقهم في التصويت ديمقراطيا. وقد بانت الأصوات المستاءة بشكل أساسي على «فيسبوك» و«تويتر»، تبث شكواها حول تقارير عن التزوير وعن «ألعاب قذرة». يقول احدهم: «هذا جنون، ستكون لدينا حكومة للحزب الوطني الديمقراطي مجددا، وهذه المرة مملوءة بالإسلاميين أيضا».
وبحلول الاثنين، بدا الإخوان يحضرون لحملتهم البرلمانية، على «فيسبوك». وقد أعلن شيخ سلفي بارز أن الناس بتصويتهم قد قالوا «نعم للدين». وفي رد فعل آخر، بدأ الناشطون المعارضون بإطلاق دعوات طارئة في سبيل إعادة تنظيم أنفسهم والتفكير في الخطوة المقبلة.
ولا احد يعلم ماذا قد يعنيه وجود برلمان يهيمن عليه أعضاء من الحزب الحاكم السابق الذي صدر قرار قضائي بإلغائه، والإسلاميين. ما مصير الناشطين الشبان وحركتهم في سبيل التغيير؟ ماذا سيحصل لشخصيات مثل عمرو موسى او وائل غنيم؟ هل سيقوم الجيش كما يخشى الكثيرون، بسحق أي دعوات أكثر تطرفاً للتغيير؟ ففي نهاية مارس كان البرلمان قد اتخذ خطوات في سبيل حظر الاحتجاجات والإضرابات، وقد استخدمها الجيش في اليوم التالي كتفويض للدخول عنوة إلى حرم جامعة القاهرة وتفرقة الطلاب. لكن التحركات ظهرت مرة أخرى في نهاية مارس الماضي، وتمت الدعوة لمظاهرة مليونية في 1 ابريل الماضي.
الآن، ينظر عضو في جماعة الإخوان في الترشح للرئاسة، ويؤكد ناشط إسلامي آخر أنه يحضر لخوض حملة الترشح، وهناك أخبار تفيد بأن السلفيين يحرضون ضد العلمانيين والنساء والأقباط، وبأنهم يوزعون نشرات ضد الديمقراطية داعين إلى دولة إسلامية. والمخلصون لنجل الرئيس المصري السابق، جمال مبارك، أعلنوا أنهم يقومون بتشكيل حزب سياسي جديد. فعلى الرغم من وعود العسكر بتسليم السلطة إلى رئيس جديد خلال 6 أشهر من ذهاب مبارك، يبدو جليا أن الانتخابات الرئاسية سوف يجري تأجيلها.
