ما من أحد يتبنى موقف العداء للعنف والإرهاب يمكنه أن يرى في مصرع أسامة ابن لادن إلا عملا من أعمال العقاب. لكن علينا أن نكون حذرين جدا في زعمنا أن مقتله سوف يلحق ضرراً بالقاعدة وغيرها من شبكات المتشددين، أو أن بمقدورنا أن نتنبأ بالتبعات الإستراتيجية والسياسية لهذا الأمر.
نأمل أن يشكل مقتله نجاحا يضاف إلى نجاحات أخرى في حربنا على القاعدة، وأن يؤدي إلى تقليص حاد في قدراتها. كما نأمل أن لا يرى داعمو التطرف في مصرعه نوعا من الشهادة وحافزا على مضاعفة جهودهم وإتباع خطاه.
لقد مضى حوالي 10 سنوات على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتشكل هذه فترة طويلة تسنى خلالها للقاعدة فرز قادة جدد وخلق خلايا مرنة ومتناثرة وشبكات عديدة، بالإضافة إلى إيجاد مواقع بديلة كاليمن. وما كان يشكل ضربة حاسمة في عامي 2001 و2002، بات تأثيره أقل بكثير اليوم.
والأكثر ترجيحا أن غالبية المتطرفين ما زالوا يعتقدون أن ابن لادن قد حقق نجاحا عظيما بمجرد استمراره في تحدي الولايات المتحدة على مدى عشر سنوات، والعديد منهم سوف ينظرون إلى موته كشكل من أشكال الشهادة، ونموذج يحتذى به أكثر مما هو كابح لإعمال إرهابية مستقبلية.
والمرجح أن المتطرفين والإرهابيين سيعجبون بالحقيقة التي وردت في التقارير والتي أفادت أن ابن لادن قد مات وهو يحارب، وإن إحدى طائرات الهيلوكوبتر المستخدمة في الغارة قد دمرت. وسوف تروق لهم التقارير أكثر إذا ما تبين لهم صحة ما قيل من أن اثنين من مرافقي ابن لادن واحد من ابنائه قتلوا في القتال. وسيحاولون استغلال واقعة أن امرأة قد توفيت على الرغم من استخدامها درعا بشرية من قبل احد محاربي ابن لادن، وأن المجمع كان يحوي نساء وأطفالاً لحظة الهجوم.
ولسنا نعرف عدد المتطرفين الذين سيتبنون مواقف كتلك، لكننا نعلم جيدا أن نجاح أي ضربة في الحرب ضد الإرهاب يعتمد على تأثيرها على الإرهابيين الحاليين والمحتملين، وليس على ما يخلقه مصرع بن لادن من شعور بالارتياح لدى الغالبية الساحقة من العالم والمسلمين.
علينا أن نواجه حقيقة أن كل القوى الاجتماعية والسياسية والدينية التي أشعلت التهديد الإرهابي والتطرف ما زالت قائمة. وقد تعززت في نظر المتطرفين من خلال القتال في العراق وأفغانستان، والثوران السياسي في الشرق الأوسط والدول الإسلامية الأخرى، والغضب على الأنظمة المحلية والولايات المتحدة والدول الغربية لما يراه العديد هجوما على العرب والإسلام.
ومن غير المرجح أن يكون لوفاة بن لادن أو حتى للقضاء على القاعدة، القدرة على إنهاء أو تقليص التهديد الأوسع نطاقاً من التطرف والإرهاب. ثم هناك مخاطر جدية من أن يرد الذين يعارضون كل أعمال الولايات المتحدة في باكستان وضد طالبان بموجة جديدة من العداء، لأن الولايات المتحدة قد قامت بالهجوم وقامت به على ارض باكستان.
وهذا يفسر لماذا حاول الرئيس الأميركي، باراك أوباما، بشكل حكيم نزع فتيل التوتر مع الإسلام وباكستان، حيث ضمن خطابه كلاما حول أن المعركة ليست مع الإسلام وأن القاعدة مسؤولة عن قتل العديد من المسلمين، وأنه أوضح مرارا أنه سيشن عمليات داخل باكستان في حال اكتشاف موقع ابن لادن. إن ظروف مصرع ابن لادن تشير بوضوح إلى أن الولايات المتحدة لا تزال لديها مشكلات جدية في الحصول على دعم من باكستان، وهذا انعكاس آخر للتوتر بين البلدين حول فشل رجال الجيش الباكستاني وأجهزة المخابرات الباكستانية في التصرف بمفردهم. لقد كان على عناصر البحرية الأميركية استخدام طائرات هوليكوبتر للدخول إلى باكستان والقيام بالمهمة على الأرض. والهجوم لم يجر في منطقة بعيدة خارج السيطرة الباكستانية لكن في مجمع في مدينة كبيرة ولا تبعد كثيرا عن إسلام أباد. وتوجد في هذه المنطقة كتيبة للجيش الباكستاني، وموقع الأكاديمية العسكرية للجيش.
إن مصرع ابن لادن سوف يطرح أسئلة جديدة حول ما إذا كانت الحرب الأفغانية تستطيع حقا أن تنهي القاعدة وغيرها من الملاجئ التابعة للإرهابيين، وقد يقول معارضو الحرب إنه على الولايات المتحدة وحلفائها الانسحاب ألان. وكان عضو بارز في الإخوان المسلمين في مصر قد دعا إلى الانسحاب الأميركي، وهناك أصوات اقل تحيزاً من المرجح أن تسأل عما إذا ما كانت الحرب الأفغانية هي فعلا الطريقة الأكثر فاعلية لهزيمة المجموعات الإرهابية وتهديدها ذي البعد العالمي. سوف يأخذ الأمر أسابيع عدة، قبل أن ندرك فعلا إلى أي حد كسبنا على المستوى الاستراتيجي في الحرب في أفغانستان وحول العلاقات التي ينتابها الخلل مع باكستان. وسوف نأخذ المزيد من الوقت لتحديد إلى أي حد نجحت القاعدة في القيام بنوع من الانتقام، وشن هجوم دراماتيكي لتظهر أنها ما زالت تشكل تهديدا ولا تزال قوية.
بالإضافة إلى ذلك، فان مناصريها حول العالم سوق يسعون إلى القيام بعمل ما أيضا، وهذا يمكن أن يطلق موجة جديدة من الهجمات من مجموعات مثل شبكات طالبان وحقاني في أفغانستان وباكستان.
باختصار، إن أسامة ميتا بالتأكيد أفضل بأشواط منه حيا، لكن الحدث مجرد حدث واحد في حرب طويلة يجب أن تخاض لسنوات عدة وعلى جبهات مختلفة. نحتاج إلى الاحتراس والصبر في التعامل مع هكذا حدث، وسوف نحتاج التزاما متواصلا في القتال ضد التهديد الإرهابي.
