بمعزل عن التأثير المستقبلي الذي سيتركه مقتل بن لادن على السياسة الخارجية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، وإذا أخذنا بعين الاعتبار تنفيذ عملية قتله من قبل الأميركيين، فإن التأثير الأكبر حاليا يتجلى في باكستان، حيث أقام بن لادن، لمدة قد تصل إلى 5 سنوات، في مجمع ضخم ومحصن جيداً بشكل مريب، وفي منطقة يقطنها عدد من متقاعدي الجيش الباكستاني الكبار، الأمر الذي يؤكد بأن بعض أفرع الحكومة الباكستانية قد منح عدو واشنطن المعلن رقم واحد ملاذا آمنا.
وكانت الاتهامات الموجهة من قبل أعضاء في الحكومة الأميركية والمسؤولين العسكريين ضد أسلام أباد، بعدم التعاون الكامل مع جهود الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب، قد أصبحت أكثر جرأة في الأسابيع التي سبقت الهجوم. وعلى الرغم من التأكيدات من قبل الطرفين بأنهما سيبقيان حليفين مقربين، إلا أن الخبراء يؤكدون بأن العلاقات ستتدهور.
يقول ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية : «إن هذه العلاقة الصعبة والمشحونة منذ وقت طويل سوف تدخل مجددا في مرحلة صعبة في المستقبل، وسوف تجد واشنطن صعوبة في تبرير المساعدات الضخمة المستمرة لإسلام أباد، إلا إذا تمت استعادة الثقة.
ويضيف هاس: «لدى باكستان خيار واحد أساسا. فإما أن تدخل شريكا مع الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب بطريقة أكثر شمولية، أو أن تستعد لوضع تتصرف فيه الولايات المتحدة باستقلالية تامة».
ويقول الكولونيل المتقاعد بات لانغ: «لا أرى أن بإمكاننا أن نفعل شيئا حيال هذا الأمر، فالباكستانيون هم الذين ينؤون عنا ويتقربون من الصين». ويرى لانغ أن نجاح الضربة عبر الحدود ضد بن لادن يمثل فرصة أمام اوباما لتقليص التزاماته الإستراتيجية الخاصة بــ«بناء الأمم» في أفغانستان لصالح إستراتيجية «مكافحة الإرهاب»، والتي تتطلب جنوداً اقل على الأرض.
ويوافقه هاس الذي انتقد هذه الإستراتيجية منذ أن اتفق الرئيس اوباما والجنرال بترايوس عليها في نوفمبر 2009 بزيادة عدد الجنود الأميركيين إلى 100 ألف بنهاية 2010.
يقول: «هذا سوف يثير جدلاً كبيراً حول السياسة الأميركية في أفغانستان فيما نحن نقترب من مطلع يوليو المقبل». وكان اوباما قد تعهد ببدء سحب القوات الأميركية من أفغانستان بدءا من يوليو 2011، إلا أن بترايوس طالب بتقليص بسيط للقوات لا أكثر.
يقول ماثيو هو، مدير مجموعة دراسة أفغانستان والذي سبق أن خدم فيها: «آمل أن تشكل هذه خاتمة لأحداث سبتمبر بالنسبة للشعب الأميركي، وأمل أن تؤمن هذه الخاتمة مساحة سياسية لأوباما للسعي نحو تقليص جهود الحرب».
أما باتريك كرونين، وهو خبير في الأمن القومي، فقد قال: «الولايات المتحدة تحتاج إلى الانتقال من إستراتيجية مكافحة التمرد، والتي تغذي فكرة الاحتلال، إلى إستراتيجية مكافحة الإرهاب والتي تتطلب تميزا أكثر حدة بين القاعدة وجماعة طالبان». لكن مؤيدي فكرة مكافحة التمرد حذروا من خطوة كتلك. ماكس بوتن وهو من المحافظين الجدد ومقرب من بترايوس يعرب عن قلقه ويؤكد أن حملة مكافحة التمرد الشاملة في أفغانستان ما زالت قوية لمنع البلاد من السقوط في قبضة أتباع بن لادن.
وفي المقابل تناقش فيلباب براون من مؤسسة «بركينغز» بأن مصرع بن لادن قد يشجع الفرص لتحقيق تسوية يجري التفاوض عليها مع طالبان في أفغانستان. كتبت تقول: «على الرغم من الهيكلية التنظيمية المنفصلة للطرفين، وتأثير القاعدة المحدود على صانعي القرار في طالبان، فان بن لادن من المرجح أنه شكل قوة لا يستهان بها ضد انخراط طالبان في مفاوضات إستراتيجية، وأن وفاته قد تخلق بيئة أكثر تساهلا لقيادة طالبان للقيام بذلك.
