أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما، أخيراً، أن العملية التي يقودها حلف شمال الأطلسي «ناتو» ضد ليبيا قد وصلت إلى مرحلة الجمود. غير أنه في الوقت نفسه أعرب عن أمله في أن الرئيس اللليبي معمر القذافي سيتم إجباره قريباً على التنحي عن السلطة. وتصريح أوباما يشبه على نحو ملحوظ تعليقات الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون في ذروة حرب فيتنام.
ابتداء من حرب الخليج أصبحنا معتادين على امتداد العشرين عاماً الماضية على التدخلات الغربية، التي يتم في الأيام الأولى منها تدمير دفاعات العدو من خلال هجمات جوية كاسحة، ولكن عملية ليبيا مختلفة لأن الدول الأعضاء في «ناتو» ككل، والولايات المتحدة على وجه التحديد، قد أظهرت قدراً محدوداً من الحسم.
قبل قرنين من الزمن صاغ المنظـّر الألماني كارل فون كلاوزيتش العبارة التي طالما تم اقتباسها والقائلة: «الحرب استمرار للعلاقات السياسية». وهو يقصد بتعبير استمرار أو امتداد، أنه من حرب ينبغي أن تشن قبل أن يصل الحلفاء إلى اتفاق على كل من الاستراتيجيتين السياسية والعسكرية.
مبادئ
في أوائل ثمانينات القرن الماضي صاغ وزير الدفاع الأميركي آنذاك كاسبر واينبيرغر مبادئ لتسيير العمليات العسكرية، وذلك على الرغم من أنها غالبا ما تعزى إلى رئيس الأركان الأميركي كولن باول، الذي نفذها بعبقرية في التسعينات. ووفقاً لمبدأ واينبيرغر فإنه ينبغي دفع قوة عسكرية هائلة وكاسحة بلا قيود سياسية لتحطم سريعاً إرادة المقاومة عند العدو. وهذه على وجه الدقة هي الكيفية التي نفذت بها معظم العمليات العسكرية في السنوات الخمس عشرة الماضية من يوغسلافيا إلى العراق.
والسبب الرئيسي في سلبية واشنطن في العملية الليبية هو أن أوباما لم يرغب في التورط في حرب أخرى، وفي الوقت نفسه فإن واشنطن فهمت في منتصف مارس الماضي أن من الضروري قصف أهداف القذافي العسكرية بسرعة حتى دون الاستعدادات الضرورية لتجنب حدوث كارثة إنسانية في ليبيا.
ولكن من الواضح الآن أن أوباما لم يتبن مبدأ واينبيرغر في عملية «فجر الأوديسا»، وفي الأسابيع الأولى من العملية الأفغانية في 2001 استخدمت 300 طائرة مقاتلة من طائرات التحالف، بينما في ليبيا لم يتم استخدام إلا 70 طائرة. ومع المحدودية الشديدة للقوات الأميركية في العملية الليبية فإن أنظمة القصف والاستطلاع التابعة لــ«ناتو»، بما في ذلك الطائرات الموجهة عن بعد والطائرات المقاتلة والأسلحة دقيقة الاستهداف تبدو أقل فعالية بكثير. فعلى سبيل المثال، فإنه خلال الحرب التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان كان 10 دقائق تنقضي بين رصد هدف ما وتدميره، أما في ليبيا فهذه العملية تستغرق 90 دقيقة.
ومن المشكلات بالنسبة لــ«ناتو» هي انه حدد لنفسه توقعات مرتفعة بصورة غير واقعية باعتباره محكماً في صراعات عالمية، خذ مثلاً المفهوم الاستراتيجي الجديد للتحالف الذي تم إطلاقه في نوفمبر، والذي يقرر أنه: «حيثما يبرهن منع الصراع على عدم نجاحه، فإن ناتو سيكون مستعداً وقادراً على إدارة الأعمال العسكرية القائمة، فــ«ناتو» يتمتع بقدرات فريدة على إدارة الصراع، بما في ذلك قدرة لا نظير لها على نشر واستخدام قوات عسكرية كبرى في الميدان». وهكذا فإن «ناتو» نصب فخاً لنفسه، وأُجبر على التدخل في نطاق عريض من الصراعات الداخلية على امتداد العالم.
تقلصيص المشاركة
بعد أن اتفقت واشنطن مترددة مع فرنسا وبريطانيا على بدء العملية الليبية في 19 مارس الماضي، فقد بدأت في غضون أيام في تقليص مشاركتها، وتم نقل هيكل القيادة إلى ناتو، وهي إشارة مباشرة إلى أن الولايات المتحدة لم تكن ترد تحملاً المسؤولية المباشرة عن نتيجة العملية.
وبينما لم تلغ واشنطن إطلاق قدرتها العسكرية كاملة ضد القذافي فإن فرنسا وبريطانيا ليست لديهما وسائل عسكرية كافية للقيام بحملة جوية فعالة اعتماداً على نفسيهما، وأحد أسباب ذلك يكمن في انه على امتداد العشرين عاماً الماضية كانت فرنسا وبريطانيا جنباً إلى جنب مع الدول الأوروبية الأخرى قد أدخلتا تخفيضات كبيرة على ميزانيتهما الدفاعية، وكانت أكثر من مستعدة لنقل المسؤولية عن المشكلات الأمنية العالمية إلى الولايات المتحدة.
ولما لم يكن ناتو قد استهل هجوماً عسكرياً شاملاً ضد ليبيا فإن قوات القذافي ظلت بلا مساس إلى حد كبير، وقد استخدم ذلك لصالحها، وفي حقيقة الأمر أن قوات القذافي بعد 3 أسابيع من القصف المعتدل فحسب من جانب التحالف قد اعتادت ذلك ولم تعد الضربات الجوية الصادرة عن التحالف تسبب الفزع والفوضى.
ويتمثل سؤال منفصل ولكنه مهم بالقدر ذاته في ما يلي: حتى إذا قامت قوات التحالف بزيادة زخم وكفاءة عملياتها العسكرية ونتيجة لذلك اضطر القذافي للتنحي، فمن الذي سيتقدم لحكم البلاد؟ من الذي سيلعب دور «الجيش البديل!» في أفغانستان قام بهذه الوظيفة تحالف معاد لطالبان من القادة الميدانيين الذين يقودهم ذوو البيريهات الخضراء الأميركيون، ولكن في حال ليبيا فإن القادة الأميركيين والأوروبيين لا يزالون يتعلمون أسماء قادة الثوار والقبائل المختلفة المعادية للقذافي بينما لم يقرر زعماء «ناتو» ما إذا كان ينبغي أن يسلحوا الثوار، وما إذا كانوا يملكون الحق في ذلك بمقتضى قرار مجلس الأمن الدولي.
إن تخوفنا ليس قوامه أن «ناتو» يجري استخدامه مجدداً لإيقاع الهزيمة بنظام طغياني وإنما أن العملية الليبية ستكون على الدوام غير مناسبة أو فعالة طالما أنه ليست هناك إرادة سياسية من جانب الولايات المتحدة ومعظم أعضاء «ناتو» لاستخدام نوعية القوة العسكرية الحاشدة الضرورية لتحقيق أهدافها.
