تهطل قطرات الماء على مدينة بنغازي الليبية، في الوقت الذي يتقاطر الرجال إلى مجمع إسمنتي كبير رمادي اللون. هناك رجل في منتصف العمر يرتدي حذاءً واقياً من المطر وسرواله الكاكي اللون مثبت في أعلى حذائه. ومثل العديد من الآخرين، سرعان ما سوف يستدعى إلى موقع التدريب. وهذا المعسكر هو واحد من معسكرات تدريب عــــــدة انتشرت في شرق ليبيا لمن يرغبون في الانضمام إلى الثوار، في سعيهم لإنهاء حكم دام 42 عاما لقائدهم المستبد معمر القذافي.
يقول كريستوفر بوسك من برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي: «من الأمور التي تميز ليبيا (عن مصر وتونس) كيفية استخدام السلطة للعنف في تحقيق أهدافها» ويضيف: «إن المعارضة في ليبيا كانت بدورها عنيفة، لأنها رأت كيفية معاملة السلطة لهم». وكجزء من رد سريع على حمام الدم الحالي للقذافي، فإن الرجال في المعسكر يتعلمون خلال أيام، وأحيانا ساعات، ما يتطلبه جندي متدرب في شهور. وسلاحهم يتكون من ثلاثة أجزاء: الله، الأمل، ورغبتهم في إسقاط النظام.
المدرب كان واقفا قرب البوابة عندما دخل رجل منها. لقد عاد من الجبهة بعد مضي أربعة أيام في محاربة قوات القذافي، يبدو مترددا في الكلام، ويظهر عليه الارتباك. وقد صدم المدرب لعودة هذا الشاب حياً من الجبهة، يقول: «اعتقد بأن العناية الإلهية قد نجته».
والى جانب المشكلات التي تسببها قلة التدريب، يوجد نقص واضح في القيادة والتحكم في المعركة. ففي مدينة راس لانوف المحاذية للشاطئ، يحمل رجل مسدسين في يديه يلوح بهما ثم يطلق النار عشوائيا في الفضاء. من وقت إلى آخر، يقول له احدهم أن يكف عن ذلك لان الذخيرة لن تدوم إلى الأبد.
قائد ميداني
وعند بدء القتال، فان الإشارة الوحيدة لوجود نوع من التوجيه هي ذاك الرجل الذي يحمل بوقاً في يده ويصرخ بالرجال إلى التقدم. لكن في معظم الأوقات، يبدو أنه لا يوجد قائد في الميدان. ويبدو الرجال مرتاحين لوضع مصيرهم في يد قوة أعظم: «لا إله إلا الله» يقول احد المقاتلين وهو يزحف باتجاه خطوط الجبهة الأمامية. وتصطف سيارات بمحاذاة الطريق بعيدا عن منطقة الحرب في حال احتاج الثوار إلى الهرب أو الذخيرة، واستخدام هذه السيارات أيضا يتم دون توجيه ويعود ببساطة لقرار المقاتلين أنفسهم. ويجلس الرجال في الصحراء القاحلة مقرفصين على شاحناتهم بأسلحتهم المضادة للطائرات بمواجهة العدو، وحين تمر الطائرات فوق رؤوسهم حاملة تهديدا بغارة جوية يطلق الثوار النار بشكل عشوائي في السماء تحت رحمة أقدارهم.
قدرات
وفي جبهة راس لانوف يبدو من الواضح ان قدرات القذافي العسكرية تفوق بكثير قدرات الثوار المحدودة، يقول بوقطيف: «لدينا ذخيرة لكن ليس الكمية الكافية من الأسلحة». والآن في البريقة، يقود الرجال شاحنات الذخيرة مخبأة تحت أغطية خضراء ووردية، لكن مخازنهم لن تكـفي إذا ما استمروا في الهجــــوم على القذافي.
بعد أيام من القصف الجوي المتواصل قرر المجتمع الدولي التدخل. ودفع بعض أعضاء الأمم المتحدة مجلس الأمن إلى تطبيق منطقة حظر جوي في 17 مارس الماضي، وسرعان ما قامت القوات الأميركية والفرنسية بإنشاء قواعد جوية وأطلقت نيرانها المكثفة على قوات القذافي، وكان قد اجتمع ألوف من المحتجين الليبيين خارج مبنى العدل في شمال بنغازي معبرين عن آمالهم للتدخل الدولي قبل تبني هذا الإجراء بأيام والموافقة عليه من قبل 10 دول.
وتبدو تداعيات هذا الأمر، سواء أكانت جيدة أم سيئة، على القوى الإقليمية والأجنبية بحاجة إلى سنوات لتصبح ظاهرة للعيان بصورة كاملة. يقول كريستوفر بوسك من مؤسسة كارنيجي: «إن كسر الأشياء هو الجزء الأسهل، لكن جبرها هو الأمر الصعب». إن أحد أهم التحديات التي على الحكومات مواجهتها حاليا هو محاولة توضيح أثر تلك الأحداث على العقود المقبلة. يقول بوسك: «كل يوم هناك أمر جديد» ويضيف: «لم يكن هناك وقت للنظر إلى الصورة الأكبر. وحاليا تعد هذه مشكلة كبيرة».
لكن المشكلات على الأرض في معسكر التدريب في بنغازي أكثر إلحاحاً. يقول أحد الليبيين إنه يشعر بالارتياح لأنه أصبح باستطاعته أن يضحك. ويقول إنه لسنوات لم يكن بإمكانه الوثوق بأحد بمن في ذلك عائلته وأصدقائه. ويضيف: «كان هناك دائما خطر وجود جواسيس ينقلون المعلومات لرجال القذافي». لكن في خضم الانتفاضة السياسية، فقد تم حل جهاز امن الدولة كما اللجان الشعبية التي كانت مصدرا للقلق.
انتزاع السلطة
ويعود التفكيك المنهجي للثقة في المجتمع الليبي إلى عام 1969، عندما قام القذافي، وهو عقيد في القوات المسلحة، بانتزاع السلطة من خلال انقلاب عسكري. وأقام حكومة على مبادئ تستند إلى كتابه الأخضر، وهو كتاب مؤلف من 94 صفحة يندد بمفاهيم الديمقراطية الغربية، ويدعي أن الأحزاب السياسية قائمة على «التلاعب بالشعب»، وفي المقابل، يروج للحكم من خلال اللجان الهادفة إلى تنظيم حياة المواطنين.
وحقيقة النظام هي السلطة المتمحورة حول القذافي، الذي طور أشكالاً تراتبية من الرقابة المشددة على نشاط الأفراد. يقول روبرت مالي من مجموعة الأزمات العالمية: «في ليبيا ليست هناك دولة بالمعنى الكامل للكلمة» ويضيف: «منع القذافي بروز أي قاعدة سلطة شعبية وأي بنية سلطة بعيداً عنه».
وكان تقرير حول حرية الصحافة لعام 2010 نشره بيت الحرية ومقره الولايات المتحدة قد وضع ليبيا في المرتبة الأخيرة على قائمة أكثر البلدان تشددا للرقابة من بين 19 دولة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
واقع الأمر أنه في الوقت الذي يشعر بعض الليبيين بالراحة للتخلص من قمع نظام القذافي، إلا أن الخوف لا يزال يتغلغل في نفوس العديدين. وفي بنغازي، يقوم ضيا بإيقاف سيارته أمام معسكر تدريب في الجهة المقابلة من المدينة. عدم الثقة بالغرباء منتشر بين الثوار. فلقد نما إلى مسمعهم أن جواسيس القذافي قد اخترقوا المدينة. يمنعنا رجل ببزة عسكرية من الدخول ويطلب منا المغادرة.
وفي معسكر ثالث قريب، يبدو المقاتلون الثوار أكثر شعورا بالثقة. فاتح بن سعود ليس خائفا من الاستهزاء بالقذافي علنا، يقول: «هو المفكر والملهم والقائد والمعلم وهو نبي وملك الملوك في أفريقيا». وابن سعود هو ميكانيكي وكهربائي وسمكري في الوقت نفسه، ووالد لأحد عشر ولدا. وبسبب قلة فرص العمل تعلم كل هذه الأعمال في سبيل تامين لقمة العيش. فالبطالة هي احد العوامل التي أشعلت الثورة، بحسب رؤية المحللين، إلى جانب أربعة عقود من القمع السياسي.
يقول الخبير في الشرق الأوسط، شادي حميد، من مؤسسة بروكينغز: «إنها بلاد فشلت في تلبية طموحات شعوبها» ويضيف: «ليبيا بلد غني بالنفط، ولم توظف إمكاناتها في خدمة شعوبها وبناء البنية التحتية الضرورية».
يمضي ابن سعود أوقاته في معسكر تدريب الثوار في مدرسة إعدادية، وبعكس المعسكرات الأخرى، فان هذا المعسكر قد تم بناؤه لتدريب الرجال الذين سوف يتخذون مواقع على حواجز التفتيش الأمنية المؤدية إلى بنغازي. يقول بن سعــــــود: «نقوم بتدريب الناس على قتال الشوارع». أحد المتطوعين، ويدعى منصور عوض، وهو أستاذ في مدرسة تعليم عال، ويبلغ من العمر 38 سنة، يرتدي معطفا أسود يمتد إلى ساقيه ليبقيه دافئا بالرغم من الرياح التي تصفع من كل اتجاه. وهو كما كل الرجال في ليبيا يبدو بشكل يائس غير مستعد للقتال. وكما معظم الرجال سوف يذهب للقتال بأي حال. يزيح بوجهه تجاه الرجال الذين يقفون وراءه، ويذرف دمعة من عينه اليسرى، فيما هو يعاود النظر إليَّ، ويقول: «انأ في حالة حزن على جميع الناس الذي قضوا حتفهم».
يهتف المدرب فجأة: «ليسقط القذافي! لتحيا ليبيا!» البعض منهم ينظر إلى السماء، يقف الرجال في صفوف غير متساوية ويهتفون في صوت واحد «الله أكبر».
