يجمع المراقبون السياسيون على امتداد العالم على اعتبار أن مصرع أسامة بن لادن يشكل ضربة لها أهميتها ضد تنظيم القاعدة، حيث نحت للأبد شخصية قيادية أفلحت في الإفلات من أكبر شبكة مطاردة في التاريخ الحديث على امتداد عقد من الزمان. وبدا أنها نجحت في أن تظل مؤثرة على صعيد العمليات حتى تصفيتها. وفي طوفان التعليقات على قتل بن لادن اتفق الكثيرون مع ما طرحه المحلل بيتر بيرفن على شاشة الـ«سي إن إن» من أن هذا التطور يشكل نهاية للحرب على الإرهاب.

في حقيقة الأمر فإن مصرع بن لادن لا يغلق هذا الفصل في التاريخ، ويتعين أن نضع نصب أعيننا نقطتين تستحقان المناقشة. فأولاً انتشرت أفكار بن لادن الاستراتيجية عن إيقاع الهزيمة بقوة كبرى، وهي الأفكار التي لم يفهمها المخططون الأميركيون تماما في صفوف التنظيم، وشاركه فيها إلى حد كبير العديد من التنظيمات التابعة للقاعدة. وثانيا يتمثل درس مهم من دروس عام ‬2001 في أننا لا ينبغي أن نسمح لمصرع بن لادن أن يجعلنا نفقد رؤيتنا للتهديد المستمر الذي تشكله لقاعدة.

شد بن لادن الرحال إلى باكستان في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، وبـُعيد بداية الحرب يشير بروس ريدل الزميل الأقدم في معهد بروكينز في كتابه بعنوان «البحث عن القاعدة» إلى أن بن لادن لدى وصوله أصبح: «ممولا كبيرا للمجاهدين يقدم المال لأقارب الجرحى والشهداء ويبني المستشفيات ويساعد الملايين من اللاجئين الأفغان الهاربين إلى منطقة الحدود مع باكستان».

ولكن رحلة بن لادن الأولى إلى أفغانستان وسقوط الجبهة هناك في ‬1984 هي التي تركت أثرا لا يمحى على نفس بن لادن الشاب، وجعلته يتوق إلى المزيد من الحركة والنشاط.

عندما صمد بن لادن ورفاقه من المقاتلين العرب بصورة غير متوقعة في وجه العديد من الهجمات التي شنتها القوات الخاصة الروسية قرب خوست في أفغانستان في ربيع ‬1987، مضت تلك الاشتباكات ببن لادن إلى البروز في الإعلام العربي باعتباره من أبطال الحرب هناك، وفي حقيقة الأمر فإن تلك المعركة كانت محدودة الأهمية بالنسبة لنتيجة الحرب الأفغانية-السوفييتية. وعلى الرغم من أن بن لادن أكد في وقت لاحق دوره في الصراع فإن كل تأريخ جاد يخلص إلى أن المقاتلين «العرب الأفغان» القادمين من العالم العربي، الذين ارتحلوا إلى جنوب آسيا للمشاركة في الحرب ضد السوفييت، لم يكونوا عاملا عسكريا في هزيمة الروس. وعلى الرغم من ذلك، فإن الوقت الذي أمضاه بن لادن في ميدان المعركة الأفغاني كان بالنسبة له تجربة التكوين، وهي تجربة شكلت المنهاج الذي سيستخدمه لاحقا في إدارة القاعدة.

تمثل درس بارز تعلمه بن لادن من الحرب ضد السوفييت في أهمية اقتصاد عدوه، فالاتحاد السوفييتي لم ينسحب من أفغانستان في إطار هزيمة نكراء فحسب، وإنما الإمبراطورية السوفييتية نفسها سرعان ما انهارت عقب ذلك في الميدان ولعب دورا مهما في انهيارها، وما لا شك فيه أن انسحاب الاتحاد السوفييتي من أفغانستان لم يؤد مباشرة إلى انهيار الاتحاد السوفييتي، والصلة الأكثر إقناعا التي يمكن إيجادها بين تلك الحرب وبين تفكك الإمبراطورية السوفييتية هي عبر التكاليف التي فرضها الصراع على موسكو.

لقد تحدث بن لادن حقا عن كيف أنه استخدم حرب العصابات وحرب الاستنزاف لمحاربة القوى الكبرى الطغيانية، وذلك من خلال استنزاف روسيا على مدى ‬10 سنوات حتى الوصول بها إلى الإفلاس، وقد قارن بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بمناسبات عديدة وقد كانت هذه المقارنات اقتصادية على نحو صرف.

وعلى سبيل المثال قال بن لادن في عام ‬2004 إنه تماما كما قام المقاتلون العرب والمجاهدون الأفغان بالقضاء على روسيا اقتصاديا، فإن القاعدة تقوم بالشيء نفسه بالنسبة للولايات المتحدة. وأشار إلى أن الاستمرار في استنزاف أميركا بهذه الطريقة سيفضي بها إلى الإفلاس. وبالمثل قال بن لادن في رسالة حملها شريط فيديو في ‬2007 إن لمفكريه الذين يدرسون الأحداث والوقائع يتنبأون بانهيار الإمبراطورية الأميركية، وإن بوش يكرر أخطاء بريجنيف.