سيأتي وقت يتعين فيه فحص السجل التاريخي الكامن وراء التدخل الفرنسي البريطاني الأميركي في ليبيا، والسر في أن هذه الدول جرّت «ناتو» وحلفاء آخرين إلى مثل هذه المقامرة. غير أنه يبدو أن خيار التحرك في ليبيا جاء بعد رؤية الثوار الليبيين وهم يتقدمون بسهولة ظاهرة باتجاه الإطاحة بالرئيس الليبي معمر القذافي ويتكبدون في غمار ذلك ما بدا انه احتياطيات محدودة من القوات. وفي ضوء تجارب الماضي فإن من المحتمل أن الخبراء الإقليميين في الميادين العسكرية ووكالات الاستخبارات في كل دولة قد أعربوا عن حذرهم، وتقدموا بتحذير من المشكلات والمسائل الغامضة المتعلقة بهذا الأمر. ولكن القادة السياسيين الذين نظروا إلى هذه التحذيرات باعتبارها لا ضرورة لها، مضوا بقراراتهم قدما.
إن ما هو مؤكد بالفعل هو أن النتيجة النهائية كانت مجموعة من القرارات التي ركزت على الاعتبارات قصيرة الأمد، وراهنت على النتيجة. ولا يبدو أن القادة الفرنسيين والبريطانيين والأميركيين قد نسقوا بشكل كامل فيما بينهم، ولكن من الواضح أنهم قد سعوا وحصلوا على الغطاء الدولي من الأمم المتحدة بالزعم أن فرض منطقة حظر الطيران يمكن أن يحمي المدنيين، بينما هدفهم الحقيقي هو استخدام القوة كعنصر مساعد لتنحية القذافي. ويبدو أنهم قد افترضوا أن مجموعة مجهولة إلى حد كبير، ومقسمة ومزعزعة من الثوار، يمكن أن تنتصر عبر قوة الدفع السياسية الخالصة، ويمكن عندئذ تحويلها إلى حكومة ناجحة. ومن الواضح أنهم قد خططوا حملة جوية محدودة تقتضي مجموعة من الضربات الآمنة سياسيا ضد دفاعات القذافي الجوية وسلاح طيرانه، وعملية متابعة محدودة فحسب من حيث الضربات الأرضية ضد قواته، ثم مضوا ينتظرون النجاح.
يمكن لبعض الأميركيين أن يشعروا بالارتياح من أوجه التشابه بين منهاج التحرك هذا والمنهاج الساذح والخطير بالقدر نفسه الذي اعتمدته إدارة بوش في العراق. وفيما يتعلق بالمؤرخين، فإن الأمر كله ليس إلا تجليا لكون هؤلاء المؤرخين يعملون في أسهل مهنة في العالم، فكل ما عليهم فعله هو أن ينتظروا أن يكرر التاريخ نفسه.
ومن سوء الطالع أنه ليس هناك شيء مسل فيما يتعلق بالحقيقة القائلة أن حياة ومستقبل حوالي 6,6 ملايين ليبي معرضة للخطر، فالمقامرة الفرنسية الانجليزية الأميركية يبدو الآن أن من المحتمل بشكل أبكر أن تفشل وأن يدفعوا لثمن، ويبدو من المحتمل أن تجر هذه المقامرة أمما أخرى دعمت هذه العملية وصولا إلى الفشل، جنبا إلى جنب مع سمعة ناتو ومصداقية الأمم المتحدة.
والمشكلة الرئيسية هي أن المسرحية الهزلية لا تزال تستخدم كبديل عن القوة، فلم ينقض إلا حوالي شهرين منذ بدأت الاحتجاجات في منتصف فبراير، وبدا أن من المحتمل أن يكتسح الثوار ليبيا وأن يسيطروا على طرابلس، وقد مضى شهران تقريبا منذ رد الرئيس الليبي معمر القذافي بالقصف بالطائرات والمروحيات والاستخدام الشامل للقوة، وفي أوائل مارس الماضي بدأت قوات القذافي في إحراز سلسلة من الانتصارات شبه الحاسمة، وكانت على وشك تحقيق الانتصار في منتصف مارس، وقد كانت تلك السلسلة من الأحداث هي التي أفضت إلى قرار مجلس الأمن الصادر في 17 مارس والذي فوض تحالفا تقوده الولايات المتحدة بتوجيه ضربات جوية في 19 ماريس الماضي. في الشهر الذي أعقب ذلك أصبح من الواضح أن المقامرة على تداعي القذافي قد أوجدت أزمة إنسانية للشعب الليبي أشد خطورة بكثير مما لو كان التحالف الدولي قد تحرك بحسم منذ البداية وهاجم القذافي مباشرة، وكذلك مراكز قوته والقوات العسكرية الموالية له.
ومن شـأن حرب الاستنزاف المستمرة أن تحول أزمة إنسانية صغيرة إلى أزمة إنسانية كبرى في ضوء أن ليبيا يتعين أن تستورد 75٪ من طعامها، وفي ضوء التقديرات بأن 30٪ من سكان ليبيا كانوا يعانون من البطالة في زمن القذافي، وكان ثلثهم يعيشون عند خط الفقر لدى بدأ الأزمة.
وفي ضوء قبح الواقع ومأساويته في ليبيا، فإن الحرب وانهيارا مفاجئا في أعصاب القذافي هما وحدهما الآن يمكن أن يغيرا الموقف، ما لم يتم استخدام القوة بدلا من المسرحية الهزلية، وليست هناك حاجة إلى قرارات جديدة من الأمم المتحدة ولكن فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة والأعضاء الآخرين في التحالف الدولي الذين يرغبون حقا في مساعدة الشعب الليبي يتعين أن يستخدموا غموض القرار الحالي لتحقيق نتائج حاسمة. إن الدول الأعضاء في التحالف الدولي يقع على كاهلها التزام خاص لإنهاء ما بدأته بالمعايير العسكرية ومعالجة ما يترتب على ذلك، فليبيا ما بعد الصراع ستحتاج إلى مساعدة مكثفة لبناء نظام سياسي فاعل وإرادة بناء القدرة على الحكم، سواء من حيث إعادة بناء الاقتصاد الحالي، أو تصليح ما أسفرت عنه عقود من حكم القذافي الحافل بالتناقضات. وعلى الجميع أن يدرك أن استخدام القوة وحدها سيكون مسرحية هزلية أخرى.
