لم يهيمن الغرب على العالم عبر الغباء، فهو قادر على القيام بخطوات بارعة على الصعيد الجيوسياسي. ومن هنا، فإن الغرب سينظر بالتأكيد إلى أدوات بديلة يستخدمها ضد الصين.
ودعني هنا أؤكد نقطة واحدة، وهي أنني أفترض أن من الواضح أنه ليس من مصلحة الهند أن تنضم إلى الغرب في محاولة نزع الشرعية عن النظام السياسي الصيني مهما بدا ذلك مغرياً.
الأداة الثانية التي يمكن للغرب أن يحاول استخدامها ضد الصين هي قاعدة فرق تسد، وتلك حقا هي الكيفية التي استطاع بها الغرب أن يقهر العالم، وقد تمثل أحد الأسباب التي من أجلها أصدرت كتابي الأول «هل يمكن للآسيويين أن يفكروا؟» في الرد على سؤال واضح، وهو كيف استطاع 100 ألف إنجليزي أن يحكموا بمثل هذا القدر من الكفاءة والفعالية 300 مليون هندي؟ ومن الأسباب الواضحة في هذا الصدد فرَق تسد. وفي هذه المرة فإن الغرب ليس بمقدوره استخدام التيار الإسلامي المتشدد في زعزعة الصين. غير أنه سينظر في جميع أرجاء آسيا بحثاً عن أدوات يستخدمها إما لموازنة الصين أو للإخلال باستقرارها، ابتداءً من اليابان حتى كوريا الجنوبية، ومن تايوان إلى التبت، ومن دول آسيان إلى الهند. وكل هذه الأدوات تتيح فرصاً جيوسياسية أمام الغرب، غير أن الأداة الجيوسياسية المثالية سوف تكون الهند.
لماذا الهند؟ إن أبسط إجابة هي انه من العام 1 إلى العام 1820 كان أكبر اقتصادين في العالم هما الصين والهند، غير أنه مع انقضاء مرحة الهيمنة الغربية على تاريخ العالم سيكون هناك ارتداد طبيعي للصين والهند، ليعودا إلى رقم 1 و2 في الترتيب العالمي لإجمالي الناتج المحلي. ومن منظور المصالح الغربية الجيوسياسية، فإنه مع عودة الصين والهند إلى القوتين غير الغربيتين رقم 1 و2 في العالم، فما هو السيناريو الذي يمكن أن يكون أفضل بالنسبة للغرب من أن تصارع القوة رقم 1 والقوة رقم 2 إحداهما الأخرى فيما هما تصعدان؟ وإذا أفلحت كل منهما في أن تبطئ صعود الأخرى، فإن يكون الغرب هو المستفيد الأول؟
السؤال الثالث والأخير هو ما يلي.. هل من مصلحة الهند أن تنضم إلى الغرب في عرقلة صعود الصين؟ إنني افترض أن الإجابة هي لا، فهناك قاعدة بسيطة في الجيوسياسية، وهي انه في أي سباق ثلاثي على السلطة فإن أفضل موقف يشغله المرء هو الوسط.
وفي العالم الجيوسياسي، فإن من الخطأ السماح للمشاعر بحسم الأمور عندما تحتدم. والواقع أن الخيار في هذا الصدد ينبغي أن يكون عقلانيا وليس انفعالياً، وقبل 30 عاماً كان معظم الناس يمكن أن يتنبأوا بأن المشكلة الصينية ؟التايوانية أكثر صعوبة في حلها من المشكلة الباكستانية، أما اليوم فإن العكس ربما كان صحيحاً، والدرس المستفاد من هذا كله هو أن من الخطأ السماح للانفعالات بأن تؤثر في القرارات الجيوسياسية، فالعقل ينبغي على الدوام أن ينتصر على العاطفة.
هذا هو السبب في أن أفضل استراتيجية بالنسبة للهند هي أن تأخذ بنصيحة دنغ شياو بينغ للصين، أي: 1- ملاحظة وتحليل التطورات في هدوء. 2- التعامل مع التغيرات بصبر وثقة 3- تأمين وضعنا. 4- إخفاء قدراتنا وتجنب الضوء. 5- البراعة في البعد عن الصدارة. 6- لا تصبح قائداً أبداً. 7- النضال من أجل تحقيق الإنجازات. ولو أن الهند تبنت هذه النصيحة فإن فرصا هائلة ستتاح لها. وأنا أدرك أن هذه نصيحة صعبة بالنسبة لبلد فيه إعلام حر وعالي الصوت، ومع ذلك فإن معظم الصحافيين الهنود الذين التقيتهم يميلون إلى الوعي بمصالح الهند بعيدة الأمد، ونعتقد بأن معظمهم أيضاً يوافقون على أن الهند ستكون أفضل حالاً إذا اتبعت سياسة مستقلة، بدلاً من سياسة تخدم مصالح الآخرين.
