لطالما أن الأحداث الإقليمية قد أتاحت فرصة للوصول إلى حل وسط وإصلاح في اليمن، غير أنها سرعان ما تبددت، وقبل الأحداث الدراماتيكية التي شهدتها تونس ومصر كانت الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في اليمن تتداعى بسرعة، ووجدت النخبة في صنعاء نفسها غارقة في معركة امتدت عامين حول الإصلاحات الانتخابية والدستورية، وظل الصراع الحوثي بلا حسم، ومضت الحركة الانفصالية في الجنوب تتعاظم، ووسع تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية نطاق عملياته داخل اليمن وخارجه، والأكثر من ذلك أهمية هو أن الظروف الاقتصادية كانت سيئة وآخذة في التردي. ووراء الكواليس اندلع تنافس حاد على السلطة والثروة وبصفة خاصة بين أعضاء الجيل الشاب من النخب القبلية، التي مضت تعد نفسها لمرحلة ما بعد الرئيس اليمني علي عبد الله صالح.

وبهذا المعنى فإن الموجة الحالية من الاحتجاجات الإقليمية شكلت نداء استيقاظ في اليمن، حيث كان بمثابة دعوة إلى الاحتجاجات الجماهيرية ضد هيكل السلطة في اليمن، وشكلت دافعا للضغط على النظام باتجاه تغيير مساره، وعلى البلاد بكاملها لإبرام عقد اجتماعي جديد يقوم على أساس تقاسم أصيل للسلطة، وعلى إيجاد مؤسسات قابلة للمساءلة. وفي هذا الصدد أشار عضو في الحزب الحاكم في اليمن بقوله: «إن التغيير لا بد أن يأتي، والسؤال المطروح على قيادتنا هو: هل تريدون قيادة التغيير أو أن يتم تغييركم؟».

وبدا تأثير الأحداث في مصر وتونس على اليمن بطرق جلية في مقدمتها فتح نقاشات جديدة، تحطيم المحرمات السياسية ، وإجبار الناس على تغيير مواقفهم حول العديد من القضايا السياسية الحساسة، بما في ذلك قضايا توارث ووضع عائلة صالح وقضية سيطرة المدنيين على العسكريين. وقبل الأحداث الجارفة التي شهدها اليمن، أخيرا، كانت أغلبية كاسحة من مؤيدي الحزب الحاكم في اليمن، وأيضا الكثير ممن ينخرطون في عداد المعارضة، يؤيدون بقاء الرئيس اليمني في الحكم بعد عام ‬2013. واعتاد قادة المعارضة وناشطو المجتمع المدني الإعداد لـ «انتقال سلمي للسلطة» ولكن لم يكن هناك موقف حازم فيما يتعلق بموعد حدوث هذا الانتقال.

وقد تغير ذلك كله بعد الإطاحة بابن علي وحسني مبارك، حيث بادر البعض صراحة إلى الدعوة لإنهاء حكم صالح فورا، وارتفع عاليا شعار «لا للتمديد قبل وبعد». وقال أحد أعضاء البرلمان المعارضين: «ألم يكف علي عبد الله صالح ‬32 عاما من الحكم؟ الآن هو في ذروة حكمه، وقد بدأ في السقوط، ويمكنه أن يظل بطلا إذا قدر له أن يغادر في سلام».

ومن المؤكد أن المؤرخين سيتناولون طويلا في غمار مناقشة الأحداث الجارية حاليا في اليمن قضية التوريث. والواقع أن هذه القضية تتجاوز بكثير مصير ابن الرئيس اليمني، ذلك أن اليمنيين كانوا يرفضون تماما المفهوم القائل ان عائلة صالح الممتدة مؤهلة للوصول المميز إلى السلطة والثروة. ومن هنا فإن الكثيرين من أعضاء المعارضة كانوا قد شرعوا علنا في مطالبة الرئيس اليمني بإزاحة أقاربه من مناصبهم العسكرية والأمنية.

وفي هذا الإطار جاء اندلاع المظاهرات الطلابية ومظاهرات المجتمع المدني، وفي ‬17 فبراير حملت المظاهرة في صنعاء لافتة تقول «ارحل يا صالح وكلابك أيضا» وفي هذه البيئة السياسية شديدة التقلب سارع الكثير من مؤيدي الرئيس اليمني في التساؤل عن المصير الذي ستمضي إليه الرئاسة اليمنية.

وباختصار يمكن القول إن الاهتزازات الناجمة عن الزلزالين المصري والتونسي قد امتدت إلى اليمن لتلقى أرضية مؤهلة للمزيد من التغيير الحاسم. ولم يكن من قبيل الصدفة أن سياسيا جنوبيا بارزا قال أخيرا: «إن اليمنيين بحاجة إلى بناء دولة وليس إلى إسقاط نظام، وإذا لم يقوموا ببناء هذه الدولة ورحل صالح سريعا، فإن اليمن يمكن أن يصبح أسوأ من الصومال».