أجرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية مقابلة مع الدكتور محمد البرادعي المرشح لخوض انتخابات الرئاسة المقبلة في مصر حذر فيها من أن البلاد تمر بمرحلة حرجة، وانتقد البطء الذي تتسم به حركة المجلس العسكري في تنفيذ الإجراءات الإصلاحية المطلوبة، وأعرب عن اعتقاده بأن إضفاء الطابع الديمقراطي على الحياة السياسية في مصر هو أمر يمكن تحقيقه في وقت أقرب مما يتصور الكثيرون. وفيما يلي نص الحوار.

في غضون عشرة أسابيع من تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن السلطة شق طريقه إلى المراحل المفضية لمحاكمته، فما هو تقييمك لهذا الوضع؟

من المدهش أن الحكومة والمجلس العسكري الانتقالي، الذي يفترض أن يضمن الانتقال إلى مصر جديدة، قد حملا نفسيهما على اتخاذ هذه الخطوة التي تمضي بثورة ‬25 يناير مرحلة أبعد على الطريق، ولكن الوقت كان قد حان أيضا للتحرك ضد الرئيس السابق وجميع الذين ينتمون إلى نظامه.

هل يمكن أن يكون إلقاء القبض على حسني مبارك ونجلاه جمال وعلاء خطوة محسوبة من جانب المجلس العسكري الانتقالي الذي انتقده المتظاهرون في ميدان التحرير، أخيرا، واتهموه بالجمود؟

لست أريد اتهام القيادة العسكرية بذلك، حيث يذهب المجلس العسكري إلى القول بأن المحاكم تحتاج إلى وقت للقيام بإجراءاتها، غير أنني أعتقد أن المجلس كان ينبغي أن يتحرك في هذا الاتجاه في وقت أبكر من هذا، وبدلا من ذلك فإن الرئيس السابق أتيحت له فرصة كبرى للتغطية على أي شيء قد يدينه. والحقيقة القائلة بأن مبارك قبل تنحيه قد أصدر أمرا بإطلاق النار على المحتجين ينبغي أن تكون سببا كافيا لاعتقاله فورا.

وعلى الرغم من ذلك فإنه لولا الاحتجاجات الأخيرة في ميدان التحرير لظل مبارك مطلق السراح؟

يبدو لي على ألأقل أن القيادة العسكرية تحتاج إلى الضغط عليها، وهذا لا يقوي بالضبط ثقة الشعب في القادة العسكريين، ولهذا فإن العلاقة بين الجانبين متوترة، ولكن هؤلاء القادة يتعلمون تدريجيا كيف يتعاملون مع دورهم الجديد، وهم يدركون الآن أن عليهم مسؤولية سياسية ولا بد أن يتحركوا، وأنهم سيتعرضون للانتقاد إذا لم يفعلوا ذلك، وهذا شيء جديد بالنسبة لهم، ولسوف يتعودون عليه.

 

الخيار الوحيد

هل تعتقد أن الرئيس المصري السابق ونجليه ستتم محاكمتهم؟

ليس هناك خيار آخر أمام المجلس العسكري إلا محاكمة مبارك، وتقديم الجميع، ممن تقلدوا مناصب قيادية في نظامه وحملوا المسؤولية عن انتهاكات حقوق الإنسان أو الفساد، إلى القضاء. ولو أن الرئيس السابق كان قد استقال منذ بداية الثورة على نحو ما نصحته، لأتيحت له فرصة الرحيل محتفظا بماء وجهه.

ولكنهم عندئذ كان سيكون بمقدورهم الإفلات بمليارات الدولارات التي يفترض أنهم راكموها؟

لست أدري ما إذا كانت مثل هذه الطروحات حول أموالهم صحيحة، ولا على أي مصادر بنيت، وينبغي علينا أن ننتظر المحاكمة التي ستوضح هذه الاتهامات.

لقد نفى مبارك في رسالة مسجلة بثت قبيل إلقاء القبض عليه هذه الاتهامات جميعها.

هذا شيء يثير الاستفزاز، فالقيادة العسكرية أولاً منحته الوقت الكافي لتحويل أمواله، ثم أتيحت له الفرصة للزعم بأنه ليست له حسابات مصرفية، وقد كان إعطاؤه الفرصة للإدلاء بهذا البيان غلطة خطيرة، وهذه الصورة التي قدمها لنفسه باعتباره لم يرتكب هفوة واحدة، وهذا الإصرار على أنه ليست لديه ثروة، وهذه المحاولات المرتكبة لتبرئته، كل هذا هو ما أجج الاحتجاجات مرة أخرى.

يعتزم المجلس العسكري اتخاذ إجراء حاسم ضد من يقومون بالمزيد من الاحتجاجات.

هذا سيكون أسوأ شيء يمكن أن يحدث لنا، لأننا عندئذ سنقع في هوة الفوضى والمجلس العسكري هو المؤسسة الوحيدة التي لا تزال تعمل بشكل جيد في مصر، وهذا هو السبب في أن القادة العسكريين لا ينبغي أن يخاطروا بفقدان ثقة الشعب فيهم، ويتعين عليهم الانفتاح على الشعب والتحرك، أما الإدلاء بتصريحات وبيانات في التلفزيون فهذا أمر ليس كافيا، هذا ليس حوارا.

 

مرحلة حرجة

ما هو تقييمك للمرحلة الحالية التي تمر بها مصر؟

مصر تمر بمرحلة دقيقة للغاية، وكل تغير من نظام استبدادي إلى ديمقراطي يجيء مصحوبا بحلول وسط، وأنا أثق بأعضاء المجلس العسكري الانتقالي، وأفترض أنهم يريدون حقا إدارة عملية الانتقال بين النظامين.

من الوعود التي تقدم بها العسكريون للشعب المصري تخليا عن السلطة مع نهاية العام الحالي، هل سيحدث هذا ؟

ليس مهما ما إذا كان ذلك سيستغرق ‬10 شهور أو عاما، طالما أن القادة العسكريين يقومون بمهامهم بأمانة، وينبغي ألا نتعجل في الاستعدادات لإجراء الانتخابات البرلمانية والنقاش حول وضع دستور جديد.

يبدو أن تجاربك السلبية في الحياة السياسية لم تردعك بما فيه الكفاية، بحيث تنسحب من خوض السباق الرئاسي في مصر؟

أنا واثق من أنه بحلول وقت إجراء الانتخابات الرئاسية المقررة مع نهاية العام الجاري فإننا سنكون قد أوجدنا الظروف والأوضاع الديمقراطية التي جعلتها دوما شرطا لخوض انتخابات الرئاسة.

هل تخشى من أن تتوج عملية إضفاء الطابع الديمقراطي على الحياة السياسية في مصر؟

أعتقد أن إصلاح الوضع السياسي في مصر يمكن أن يتم إنجازه قريبا، بل وفي وقت اقرب مما يتصوره الكثيرون.