قوبل إلقاء القبض على الرئيس المصري السابق حسني مبارك وسجن نجليه جمال وعلاء والكثير من المسؤولين في نظامه، قوبل باعتباره لحظة فاصلة في مصر، وهذا الابتهاج الذي يوشك على الوصول إلى حدود الذهول هو أمر مناسب تماما في بلد كان مجرد انتقاد النظام علناً فيه يفضي إلى اعتقال من يقدم عليه، في ظروف بالغة الاختلاف عن الظروف المترفة نسبياً التي يعيشها مبارك ونجلاه الآن.

ومصدر هذا الاختلاف أن مبارك ونجليه خلافاً لمعارضيهم في السابق، لا يحتمل أن يتعرضوا للتعذيب، على سبيل المثال، كما كان المنتقدون يعذبون بانتظام في مصر.

ويبدو أن «الإخوان المسلمون» هم وحدهم الذين أحجموا عن الانخراط العام في التعبير عن الابتهاج، وقد حدد الطرح السائد لديهم محمد البلتاجي الذي يعد من الشخصيات البارزة في الحركة، والذي اكتفى بالقول إن إلقاء القبض على مبارك ونجليه هو «خطوة في الاتجاه الصحيح».

ومن المؤكد تقريباً أن ما قاله البلتاجي في هذا الصدد يعكس حيرة الجماعة حيال التحرك الديمقراطي الهائل الذي شارك بدور محدود نسبياً فيه، والذي إلى جوار إطاحته بمبارك أطاح بالجماعة نفسها كمعارضة رئيسية لنظامه.

وقد اتسم الوضع في مصر بالتقلب الشديد منذ بدأ المتظاهرون التجمع في ميدان التحرير حتى نهاية يناير الماضي، ولكن الحقيقة القائلة إن القادة العسكريين المصريين قد سمحوا بإلقاء القبض على مبارك هي إيماءة مدهشة إلى قوة الحركة الديمقراطية التي يبدو أن القادة العسكريين على استعداد للإذعان لها بدرجة غير متوقعة بالمرة. وإلقاء القبض على جمال مبارك، الذي أشارت برقية صادرة عن السفارة الأميركية في القاهرة عام ‬2008 كشف عنها موقع ويكيليكس، أنه غير مقبول من جانب العسكريين كخلف لأبيه، هو شيء يختلف تماما عن قبول العسكريين باعتقال مبارك، الذي يعد في نهاية المطاف واحدا منهم، وكان قائدا سابقا لهم قبل أن يكون رئيسا. ومن الحقائق المحورية في التحرك الديمقراطي الذي ساد العالم العربي، هو أنه نابع من الداخل كليا على عكس ما كانت عليه الحال على سبيل المثال في شرق أوروبا عام ‬1989، حيث كانت الديمقراطية أولا وقبل كل شيء نتيجة للتغييرات التي حدثت في موسكو.

ويتعين ألا ننسى أن المؤيدين الأجانب للثورات العربية غالبا ما يكونون إما مسؤولين من الحكومات الغربية في وضع يتيح لهم تأمين مساعدات كبيرة وإعادة جدولة الديون، وهما الأمران اللذان تحتاجهما مصر وتونس بشدة، وإما أنهم أعضاء في جماعات غير حكومية في وضع يتيح لهم التأثير في مثل هذه القرارات.

وليس هناك شيء جديد فيما يتعلق بهذا فواقع المساعدات لا يعتبر سرا سواء كانت مساعدات في حالات الطوارئ أو لأغراض التنمية أو لدعم الأنظمة الديمقراطية الناشئة، كان قوامه على الدوام أنه يعكس أولويات واهتمامات من يقدمون هذه المساعدات، وكذلك احتياجات من يتلقونها وبعض المنظمات غير الحكومية، صريحة تماما فيما يتعلق بهذا الأمر كما هو في حالة مؤسسة «غيتس» التي يعد من أولى مبادئها المعلنة أن عملها «يعكس مصالح واهتمامات عائلة غيتس»، ولكن هذا ينطبق على الحكومات والمؤسسات الدولية بدرجة أكبر كثيرا مما تقر به. وفي بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين فإن العدالة الدولية تعد من هذه الاهتمامات الحاكمة، ويجري في الوقت الراهن بالفعل عقد عدد من المؤتمرات حول الديمقراطية والقابلية للمساءلة، أو أنها ستعقد في وقت قريب في كل من تونس ومصر على السواء.