يتعين على الولايات المتحدة القيام في غضون العام المقبل بإعادة تشكيل استراتيجيتها ووضع قوتها في المنطقة بصورة أساسية. ويتضمن هذا تحديات تقتضي منها اتخاذ قرارات بشأن كيفية إعادة بناء قوتها بكاملها في المنطقة، فيما هي تنسحب من العراق. غير أن الأمر يتضمن كذلك تحديات تتجاوز كثيرا البعد العسكري. وعلى امتداد ما يمكن أن يصل إلى نصف العقد المقبل، فإن الولايات المتحدة سيتعين عليها أن تتعامل مع خليط جديد وغير مؤكد ومتغير باستمرار من الأنظمة والسياسات الإقليمية، وستحتاج إلى استراتيجية مدنية ـ عسكرية لمواجهة التغيير والغموض في المنطقة.

وحتى على الرغم من سعي الحكومة العراقية إلى شكل ما من أشكال استمرار وجود القوات الأميركية في العراق، فإن هذا الوجود سيكون على مستويات رمزية وبتسهيلات ومخزونات وقدرات عسكرية محدودة، وسيكون الوجود الأميركي في العراق إلى حد كبير وجودا معدا لمساعدة العراق على التعامل مع التصدي للتمرد والتوترات الداخلية، فالعراق هو الذي يتعين عليه أن يطور القدرة على الدفاع عن نفسه وردع من قد يتهددونه، وإن كان ذلك بدعم من المستشارين الأميركيين وصفقات السلاح الأميركية.

حتى الآن لم يقرر العراق كيف يريد أن يحول اتفاق إطار العمل الاستراتيجي مع الولايات المتحدة إلى خطط وقدرات تؤدي وظيفتها، وما هو الاتجاه الذي ستمضي فيه خططه بشأن قوته المستقبلية. وعلى أي مستوى يريد أن تكون جهود المستشارين الأميركيين وعمليات نقل الأسلحة الأميركية؟

 

غموض سائد

وفي الوقت نفسه، فإن الولايات المتحدة تواجه غموضا في العديد من مناطق الشرق الأوسط، كالوضع في اليمن، والدور المستقبلي لمصر، وغير ذلك من التعقيدات.

ويتعين على الولايات المتحدة أن تعيد التوازن إلى علاقاتها مع عواصم عدة في المنطقة، وتقنع القادة في هذه العواصم بأنها ستساندهم في التعامل مع القضايا الأمنية الأساسية، وذلك في الوقت الذي يشعر بعض القادة الإقليميين بأن الولايات المتحدة تخلت عن قادة من قبيل الرئيس المصري السابق حسني مبارك.

ولا بد للولايات المتحدة من القيام بجهود سياسية ـ عسكرية جديدة في ما يتعلق بكل دولة على حدة في المنطقة، وذلك في إطار خطتها لإعادة تشكيل وضعها الاستراتيجي في المنطقة، حيث إن أي جهود عسكرية منفردة سيقدر لها الفشل. وهذه الجهود لا بد من أن تحصل على تأييد قوي على المستوى القومي في الولايات المتحدة نفسها، بما في ذلك تأييد البيت الأبيض، مجلس الأمن القومي الأميركي، وزارتا الخارجية والدفاع الأميركيتان. ومن المهم أيضا أن توجد الولايات المتحدة استراتيجية واضحة للجهد المدني العسكري الإقليمي من قبل الدوائر الأساسية في الخارجية الأميركية والقيادة المركزية الأميركية، وأن تبني فرقها المتخصصة في سفاراتها في كل من العواصم المعنية في المنطقة.

 

تغيران أساسيان

هذا لا يقتضي تغيرات في الاستراتيجية الأميركية الشاملة، فكل وثيقة استراتيجية صدرت في ظل إدارتي بوش وأوباما تقريبا أقرت مثل هذه الاحتياجات من الموارد والأموال وفرق العمل الجديدة، غير أنها تقتضي تخطيطا أفضل بكثير، وتمويلا وإدارة للجهود المبذولة لتنفيذ مثل هذه الاستراتيجية، وتقتضي بشكل أكثر ألحاحا تغيرين أساسيين في العمليات التي تقوم بها الولايات المتحدة:

التغير الأول هو جهد مدمج بشكل كامل، ويعكس إدارة جيدة من قبل وزارة الخارجية الأميركية ووزارة الدفاع وهيئة المساعدة والوكالات الأميركية المختلفة المشاركة في جهود التصدي للإرهاب، وغيرها من الوكالات الفيدرالية. وهذا التغير يعني إدماجا حقيقيا للخطط والبرامج والميزانيات والموارد البشرية المدنية-العسكرية التي لم يتم تحقيقها بالكامل، سواء في العراق أو في أفغانستان بعد ‬10 سنوات من الحرب. ويقتضي شخصا يتولى القيادة بدلا من الاعتماد، كما حدث في الماضي، على التنسيق غير الفعال والنوايا الحسنة.

التغير الثاني يقتضي نوعا جديدا من الشراكة بين الكونغرس الأميركي والذراع التنفيذية الأميركية في وقت تتحرك فيه الحياة السياسية الأميركية في الاتجاه الخاطئ. والذراع التنفيذية الأميركية بحاجة إلى طرح نوعية الخطط التي توضح أن هنالك دمجا واقعيا للخطط المدنية -العسكرية لتبرير كل الإنفاقات والبرامج الأميركية.

وبالإضافة إلى هذين التغيرين، فإن هناك مهام عسكرية محددة يتعين على الولايات المتحدة القيام بها، والعديد منها تنهمك واشنطن فيها بالفعل، ولكن لا يزال من غير الواضح كيف تعتزم التعامل مع المهام المحددة، فالاستراتيجية الأميركية الشاملة غير واضحة، وستحتاج قي المستقبل القريب إلى الظهور بشكل علني أكبر، لطمأنة أصدقاء أميركا في المنطقة وردع واحتواء التهديدات المحتملة.

وعلى وجه التحديد، فإن استراتيجية أميركية جديدة وتموضعا للقوة وتحديدا للشراكة الأمنية في المنطقة لا بد أن تخاطب القضايا التالية:

أولا: لا بد للولايات المتحدة من أن تقوم بكل ما في وسعها لتشكيل شراكة استراتيجية دائمة مع العراق على المستوى العسكري، وشراكة تعيد بناء قدرة القوات العراقية على ردع أي تهديد خارجي. وهذا يعني إعادة بناء القوات التقليدية العراقية بما يعود بها إلى مستوياتها السابقة، في هذا الإطار تحتاج الولايات المتحدة إلى أن تمول بالتالي جهود وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين لبناء القوات المسلحة وقوات الأمن والشرطة العراقية، والقيام بذلك بطريقة تجعل التوترات العرقية والطائفية في الحدود الدنيا.

ثانيا: الولايات المتحدة لا تملك رفاهية أن تكون لها أي أوهام في ما يتعلق بإيران، أو تأمل في حدوث تغيير من نوع ما يحول دون المضي قدما في الجهود الأميركية المبذولة على هذا الجانب.

ومن ناحية أخرى، فإن الولايات المتحدة عليها أن تعيد تأكيد الحقيقة القائلة إنها لا تريد ترك أي تسهيلات رئيسة أو الوصول إلى قدرات في المنطقة، وهي لا ينبغي أن تترك أي مخاوف في ما يتعلق بأنها لن تستخدم مثل هذه التسهيلات لحماية الدولة المضيفة، وأنها ستسعى حيثما كان ذلك ممكنا، إلى العمل كشريك مع قوات الدولة المعنية، وليس استخدام منهاج العمل الأميركي المنفرد.

 

العمل مع الشركاء

وفي هذا الإطار، فلا بد للولايات المتحدة أن تواصل العمل مع شركائها في المنطقة لبناء قوات فعالة وقادرة على احتواء التهديدات الخارجية والتعامل مع الإرهاب، وكذلك التعامل مع التهديدات الجديدة المحتملة من قبيل عدم الاستقرار في اليمن. وقد اقترحت واشنطن بالفعل برامج لنقل الأسلحة لتدعيم شركائها في المنطقة. وكما هي الحال مع كل دولة إقليمية صديقة، فإن الولايات المتحدة ينبغي أن تجعل من عمليات وبرامج نقل الأسلحة هذه جزءاً فعالا من القوات الصديقة، توضح أن الولايات المتحدة هي مصدر يعتمد عليه للتدريب والدعم، وتؤكد بناء قدرات الدولة المضيفة على القيادة وتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة إلى الحد الأدنى.

يتعين على الولايات المتحدة أيضا العمل مع كل دولة في المنطقة لمساعدتها في تطوير قدراتها على التصدي للإرهاب والتأكيد على التحسينات التي قد تجدها صعبة على الصعيد السياسي، وفي الوقت نفسه فإنه يتعين على واشنطن أن تشدد على الربط بين الأمن الداخلي وحكم القانون من ناحية، وبين الإصلاح والجهود المبذولة لاكتساب وإعادة تثقيف العناصر المتشددة حاليا.

وللولايات المتحدة جهود قوية في مجال مكافحة الإرهاب موجودة بالفعل في الدول الصديقة في المنطقة، وهي بحاجة الآن إلى أن تكون أكثر حرصا على تأكيد الضوابط التي ينبغي أن توضع على مثل هذه الجهود، وأهمية حقوق الإنسان وحكم القانون، وقيمة ونوعية عمليات إعادة الاندماج التي طورتها بعض دول المنطقة.

والولايات المتحدة بحاجة إلى إدراك الحقيقة القائلة إن القوات المدربة على أيدي القوات ألأميركية والمزودة بأسلحة أميركية، يمكن في وقت من الأوقات أن يتم استخدامها في خارج الأطر التقليدية من العمليات التي تقوم بها القوات المسلحة، وقد حدث هذا بالفعل مرات عدة خلال حقبة الحرب الباردة في أميركا اللاتينية، غير أنه على الصعيد العملي أدت صفقات الأسلحة الأميركية وجهود المستشارين الأميركيين إلى المساعدة في تثقيف الكثيرين في الدول الصديقة في المنطقة في ما يتعلق بالمسؤولين عن خدمة شعوب بلادهم من العسكريين.

 

قيم وإصلاح

وعلى مستوى مختلف فإن الولايات المتحدة بحاجة إلى بذل مزيد من الجهد في الدعوة إلى إصلاح التعليم واتخاذ الإجراءات التي تتخذها العديد من الدول في المنطقة بالفعل للتشديد على قيم التسامح والبعد عن التشدد. وواشنطن ينبغي في لوقت نفسه أن تكون أكثر حرصا ومبادرة في الإعراب عن احترامها للقيم السائدة في العالمين العربي والإسلامي. وهذا المجال لا يمكن للولايات المتحدة أن تحقق النجاح فيه بمفردها، حيث إنه يتطلب شراكة فعالة من الدول المعنية في المنطقة على كل السنوات.