من الصعب التوصل إلى واقع العمليات العسكرية التي تقوم بها القوى الغربية في ليبيا، ويرجع ذلك في أحد جوانبه إلى أنه يتعين أن تكون هناك ضوابط جدية على ما يعلن للرأي العام، فيما يتعلق بالطبيعة الكاملة لهذه العمليات والمهمة الحقيقية هناك. وبينما أوضح القادة الغربيون أنهم يريدون تغيير النظام الليبي، فإن القوى الغربية تعمل في بيئة دولية لن تساند هذا باعتباره هدفا صريحا، في وقت يتسم بالتوتر الحاد بين القوى الغربية من ناحية، والعالمين العربي والإسلامي من ناحية أخرى.
وبينما تدعو البرلمانات الغربية إلى الوضوح فيما يتعلق بهذا الشأن، فإنه إذا ما أوضحت الدول الأعضاء في «ناتو» رسميا المهمة الحقيقية الكامنة وراء قرار مجلس الأمن الدولي لفرض منطقة الحظر الجوي، وتحولها رسميا إلى تغيير النظام، فإن العديد من قوى «ناتو» قد تعارض ذلك علنا، وقد يختفي التأييد الذي تبديه جامعة الدول العربية، وقد يتم دفع روسيا والصين إلى المعارضة الصريحة في الأمم المتحدة. وقد ينهار الحل الوسط الدقيق الذي يقدم تفويض الأمم المتحدة.
وعلى الرغم من ذلك فإن الدول الغربية يتعين عليها القيام ببعض الخيارات الصعبة، وأن تنجزها سريعا، فآخر شيء يريده أي شخص، في وقت يسود ما يقرب من الغليان أرجاء المنطقة الممتدة من باكستان إلى المغرب، هو جرح مفتوح قوامه الانقسام السياسي والصراع الممتد في ليبيا. ومن المنظور الليبي فإن جر البلاد إلى أزمة سياسية واقتصادية طويلة وصراع متطاول يدمر المناطق السكنية ستكون نتيجته على الصعيد الإنساني أعلى بكثير من تأييد الثوار بالقوة الجوية والأسلحة والتدريب.
أيا كان رأي المرء في المنطق الكامن وراء بداية هذه العملية فإنها تشق طريقها حالياً، والدول الأعضاء في «ناتو» متورطة في الموقف بطريقة تتجاوز منطقة حظر الطيران والجهد الضيق
المبذول لحماية السكان. والآن لا سبيل إلى العودة إلى الوراء، وأكثر من هذا أنه كان واضحا منذ بداية الجهود الغربية أن أي نتيجة ناجحة، سواء من المنظور السياسي أو الإنساني، ستقتضي وضع نهاية لنظام القذافي، وبالتالي فإن الحل الوسط والوساطة والتحالفات ليست خيارات مطروحة في العالم الواقعي.
وربما ستنقضي سنوات قبل أن نعرف المدى الذي مضى إليه القادة الغربيون في إدراك هذا منذ البداية، وما الذي أبلغه الخبراء ومجتمع المخابرات حول الاحتمال النسبي لانهيار القذافي في مواجهة توغل عسكري محدود.
ويحيط الغموض نفسه بما عرفه صانعو السياسات، أو خمنوه فيما يتعلق بقدرات الثوار بشأن استغلال منطقة حظر الطيران وعمليات
ضرب قوات القذافي منذ البداية. وللإنصاف فقد كان هناك على الدوام احتمال أن يكون القذافي على وشك الانهيار، وأن يتحول البروز الأولى للثوار إلى بروز على مستوى الوطن، وأن الموجة الأولى من الضربات الجوية الغربية قد تكلل بالنجاح، والمشكلة هي أن هذا لم يحدث بسرعة، وأنه أصبح أملا غير مؤكد، بحيث لا يمكن الاعتماد عليه، والأكثر من ذلك أن القذافي يدعم تأثيره السياسي وقدراته العسكرية بشكل يفوق التصور.
إن هذا يترك خيارين سيئين أمام الغرب، الخيار الأول هو «جمود غير مستقر»، في إطاره يتعرض الثوار وناتو ووحدة الأمم المتحدة للانهيار، ويمكن أن يعاني المدنيون على امتداد شهور أو سنين من المواجهة والصراع، ويمكن لنظام القذافي أن يبقى على نحو ما.
أما الخيار الثاني فهو تصعيد «قتل النظام» إذا لم يكن ذلك هو ما يحدث بالفعل. وكلا الخيارين له مخاطر جمة، وكلاهما يعنيان أن المدنيين سوف يعانون، ولكن خيار تصعيد «قتل النظام» في هدوء يبدو الخيار الأفضل.
والطريقة الأكثر دقة للقيام بهذا هي استخدام الضربات الجوية ضد القذافي وقواته بصورة أكثر شراسة، وهذا يعني المزيد من الانحياز الواضح، وهو يعني قتل قوات القذافي في اللحظة التي تتحرك أو تتركز فيها، وليس انتظار قيامها بالهجوم، حيث يتم ضرب مؤسسات القذافي الأمنية والعسكرية، والبحث عن أعذار لقصف المجمع الذي يقيم به، وهذا يعني حرمانه من القدرة على استخدام المتسللين
والسيارات المدنية والأسلحة الأكثر خفة مثل مدافع الهاون، وذلك عن طريق توسيع نطاق استخدام الطائرات التي تعمل بالتحكم عن بعد بـأنظمة الاستهداف وتصعيد الضربات الجوية.
وهذا يعني استخدام أساليب، مثل نشر قوات خاصة مزودة بأجهزة ليزرية للمساعدة في عملية الاستهداف من الأرض، كما يعني أيضاً القيام سرا بتقديم السلاح والاستشارة للثوار، وأيضا حرمان القذافي من المال والموانئ واستخدام الطائرات، وكل الطرق الأخرى لزيادة الضغط عليه وفق قرار مجلس الأمن الذي يتسم بالغموض.
ليس هناك ضمان لكون هذا المزيج من الاستراتيجية والتكتيكات سيؤتي ثماره، فحالات مثل كوسوفو والبوسنة أعطت مؤشرات متضاربة، غير أن البديل أسوأ، فالدول الأعضاء في «ناتو» ستدفع ثمنا أكبر للفشل، وسيكون النجاح نسبيا في أفضل الأحوال، ولا يتمتع بالشعبية، حيث ينطلق منتقدو هذه العملية بالفعل في طريقين، غير أن استراتيجية قتل النظام هي أسهل بكثير من حيث تعايش الشعبي الليبي معها، مقارنة بالجمود أو فشله، وهي أسهل أيضاً للباقين في عالم يسوده الانقسام.
