تعرضت إدارة أوباما للانتقاد بسبب مقاربتها المتخبطة للتدخل في ليبيا. لكن كما توحي تجربة كوسوفو، فإن عملية شنيعة ليست مثل عملية فاشلة، ويمكن حتى لمهمة تبدأ بشكل سيئ أن تصل إلى نهاية سعيدة.

ما ان بدأت الولايات المتحدة بالتورط في ليبيا حتى بدا موقفها وكأنه يفتقر إلى الحماس، فقد

رغبت في رفع اليد عن المهمة، وأعطتها للأوروبيين بأسرع ما يمكن. والانتقادات للإدارة الأميركية تطال أيضاً فشلها في مشاركة الكونغرس، في اتخاذ القرار المؤدي إلى العملية العسكرية، وفشلها الواضح في تطوير خارطة طريق واضحة بخصوص ما تنوي أن تقوم به في ليبيا لاحقاً. وحتماً فإن كل هذه الانتقادات تحتوي على بعض الحقيقة، فبالرغم من أن المهمة كانت فعالة في تجنب كارثة إنسانية في ليبيا حتى الآن، إلا أنها كانت كريهة في بعض جوانبها.

ومازال مبكرا جداً القول بشكل مؤكد بأن عملية «فجر الأوديسا» سوف تنتهي بشكل جيد مثل حرب عام ‬1999 في كوسوفو. لكن إجمالا، فإن هذه العملية تمضي ببداية أفضل بكثير من سابقتها.

ومن خلال التحضير لحرب كوسوفو، كان عدم التوافق أقل بين أعضاء «ناتو» حول التورط في الحرب. واضطر «ناتو» إلى إطلاق عمليته هناك من دون اتخاذ قرار من مجلس الأمن بسبب المعارضة الروسية، الأمر الذي عقد المهمة في نهاية الحرب.

وكانت بداية الحرب في كوسوفو رهيبة، وبدلا من أن يتم حماية العرقية الألبانية، فإن الحملة الأولى في المقابل دفعت بـ«ميلوسوفيتش» إلى تكثيف مذابحه ضد الألبان، بعد أن أدرك أن التحالف لم يخطط لعملية عسكرية فعالة. فقد توقع قادة «ناتو» أن تستمر الضربات الخفيفة أياماً معدودة كافية لوقف السفاح الصربي عند حده، لكنهم فشلوا في التخطيط لأي تصعيد محتمل.

وتبدو الولايات المتحدة هذه المرة أكثر حذرا. وهناك تحذير من الفعالية المحدودة لمناطق حذر الطيران. ووجهة النظر تلك هناك ما يبررها. ففرض منطقة حظر طيران لم ينتج عنه نصر سريع وحاسم، بالرغم من المضي أبعد من الإجراءات المتبعة عادة، لتشمل تدمير الكثير من قوة الطيران الليبية، بالإضافة إلى الهجوم على العربات العسكرية على الأرض. ولقد حققت هذه المهمة مؤقتاً هدفها الرئيس في حماية الثوار والمدنيين في المناطق المؤيدة للثوار. وبالرغم من أن العقيد معمر القذافي لم يتراجع، بكل تأكيد، فإنه لم يصعد هجماته، كما فعل ميلوسوفيتش، كما انه لم يكرر تهديداته. وفي كلتا الحالتين في كوسوفو وفي ليبيا، فإن

الولايات المتحدة اتخذت طريقا استراتيجيا وسطيا بين استخدام القوة الحاسمة والسلبية.

وفي كلتا الحالتين، فإن الرئيس الأميركي باراك أوباما نفى اعتزامه أي استخدام للقوات الأميركية على الأرض منذ بداية التدخل. وهذا القرار كان على الأرجح غير سليم في حالة كوسوفو، خصوصا في ظل التردد في الأيام الأولى للحرب، لكنه يبدو قرارا صحيحا في ليبيا؛ نظراً لتضاريس الأرض المفتوحة هناك.

وكان يمكن لحرب كوسوفو أن تتحول إلى كارثة قبل أن تبدأ قوات «ناتو» بتكثيف عملياتها والتلميح بغزو ممكن على الأرض. والاشتباكات في ليبيا، بالرغم من كونها فعالة إلى الآن في صد هجمات القذافي الضارية، لكن يمكن أن ينتج عنها مأزق بقائه مؤقتا في السلطة في

طرابلس وضواحيها. وربما سيكون هناك نتائج أسوأ إذا ما ساعدت الولايات المتحدة الثوار بالقدر الذي يبقيهم يقاتلون فقط، بدون أن يحسموا الصراع. ويمكن عندئذ أن تتحول ليبيا إلى جرح غائر ينزف دما، مما قد يدفع بتنظيم القاعدة إلى محاولة استغلال الوضع. وفي حالة الحرب، فليس كافيا القيام بمجهود جيد فقط، بل يتعين أيضاً الوصول إلى نتيجة.