يرى العديد من المراقبين الاستراتيجيين الدوليين أن استخدام القوى المسلحة من قبل الغرب للتدخل في ليبيا لا يزال يفتقر إلى الهدف الاستراتيجي الواضح والمبرر وقد يكون من الإنصاف القول انه من المستحيل الحصول على إجماع في حالات مثيرة للخلاف والجدل كحالة الوضع في ليبيا، بل إن الاتفاق الجزئي قد يكون أفضل من عدم الوصول إلى اتفاق على الإطلاق، وقد كان انتظار تداعي نظام الرئيس الليبي معمر القذافي من تلقاء نفسه أمرا غير مطروح، وبالمقابل كان السعي إلى إجماع دولي شامل حول هدف استراتيجي محدد بدقة في ليبيا بمثابة وصفة تفضي إلى الشك، كما كان التحرك من دون بذل أي جهد يذكر لتوحيد الدعم الدولي للثوار أمرا يضمن نطاقا عريضا من المعارضة الدولية. وتظل الحقيقة هي أن قرار مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا يترك الهدف النهائي من التحرك هناك دونما تحديد دقيق، كما يترك ضوابط استخدام القوة غائمة.
وقد أصابت الضربات الجوية الفرنسية الأولى لتنفيذ منطقة حظر الطيران قوات ليبية برية لا علاقة لها بالكيفية التي يحلق بها طيران القذافي بالفعل. وتتنازع ليبيا وفرنسا حول القيادة والمكانة، بينما تعارض تركيا المهمة وتدعو إلى جعلها جزءا من جهود حلف «ناتو».
مفاهيم مختلفة
وقد مارست الولايات المتحدة القيادة بحكم الأمر الواقع لأنها تتمتع بالمعلومات الاستخبارية الخاصة، وكذلك بالأصول المتعلقة بالاستهداف والقيادة والسيطرة التي تمس الحاجة إليها لتنسيق الجهد الغربي في ليبيا، ولكنها تحاول الوصول إلى الحد الأدنى لظهورها على مسرح العمليات، وهي غير مقتنعة كلية بالزعم بأن منطقة حظر الطيران سوف تستخدم لحماية المدنيين بينما تقرر في الوقت ذاته أنها لا تريد تغييرا عنيفا للنظام.
ولم يحقق العالم العربي افتقاره المعتاد للوحدة الوظيفية فقط، ولكن الدول العربية التي وافقت على استخدام القوة في ليبيا تشدد على أن القوة ينبغي أن تتجنب الإضرار بالمدنيين بشكل ما، أما الذين أبعدوا نفسهم عن الساحة، أي الصين وألمانيا وروسيا فلا يبدو أنهم مشاركون طبيعيون لهذه المسيرة، بل إن كبار القادة الروس قد تبنوا وجهات نظر متعارضة حول هذا الجهد بكامله.
والنتيجة النهائية هي أن كل طرف مشارك في الوضع في ليبيا يبدو الآن أن لديه مفهوما مختلفا عن هدف استخدام القوة في ليبيا وتورطه. وبينما يفضل الكثيرون بالتأكيد إنهاء نظام القذافي فإنه ما من أحد يرغب حتى الآن في الحديث عن استهداف القذافي وتدمير قواته، ومدى الاستعداد لدعم الثوار، وما هي الظروف التي ستكفل إنهاء العمل بمنطقة حظر الطيران واستخدام القوة في ليبيا، وهناك بالقدر نفسه مناقشة محدودة للثوار وافتقارهم إلى الوحدة، والعجز عن معرفة قوة أجنحة معينة داخلهم، أو ماذا يريدون على وجه الدقة، وما الذي يقتضيه الأمر لمنحهم القدرة إما للدفاع عن منطقة بعينها، أو تنحية القذافي من السلطة.
والنتيجة النهائية أيضا هي بالفعل سلسلة من المراهنات التي تطرحها أجنحة منقسمة إلى حد كبير ينتظر كل الضالعين فيها رؤية أي النتائج الثلاث الكبرى التالية ستتحقق:
السيناريو الأول
النتيجة الأولى: تجمع نوع من القوى المشاركة في فرض منطقة حظر الطيران والثوار يطرد القذافي من السلطة. وفي إطار هذا السيناريو فإن مجموعة منقسمة من أجنحة الثوار، المحايدين، الموالين السابقين للرئيس القذافي، الذين ليست لديهم خبرة في الحياة السياسية والديمقراطية والحكم، يستولون على السلطة مع وجود نتائج لا يمكن التنبؤ بها لهذا التحرك.
وسوف يعتمد الكثير على مدى تجاوز منطقة حظر الطيران بالمفهوم نفسه، والهجوم على قوات القذافي وبنية السلطة. فالثوار حتى اٍلآن لم يحققوا عمليات انتصار كبرى وانشقاق عن قوات القذافي وإحداث انشقاق وحدات بأسرها عن القوات المؤيدة للسلطة. ويرجع ذلك إلى أن الثوار منقسمون ويفتقرون إلى الانضباط والبنية المتكاملة،كما يفتقرون إلى التدريب على استخدام الأسلحة المتقدمة والإمداد بالاحتياجات المختلفة، كما أنهم يفتقرون إلى التأييد من الأجنحة القبلية الكبرى خارج المناطق الحضرية في شرق ليبيا.
وإذا لم يقدر لهم بناء صرح قوات على امتداد الزمن بالاستعانة بتدريب وإمداد خارجيين أو انشقاق أعداد كبيرة من القوات المؤيدة للقذافي، فإنهم يمكنهم الوصول إلى السلطة فقط لأن أجنحة القذافي قد انهارت من الداخل، أو لأن الضربات الموجهة في إطار فرض منطقة حظر الطيران كان لها تأثير أعرض نطاقا، وهذا يعني عمليا استخدام قرار مجلس الأمن الدولي كغطاء وليس كتفويض.
اقتصاد ضعيف
إذا حدث هذا فإن أجنحة الثوار سوف ترث اقتصادا ضعيفا ومشوها على نحو غريب، ونظام حكم يتراوح بين الغرابة والافتقار إلى القدرة الوظيفية يعتمد كلية تقريبا على العائد من النفط والاستثمار الأجنبي والمدخرات المالية. وتقدر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أن الصادرات النفطية تشكل 95 ٪ من إجمالي عائدات التصدير الليبية، وتمثل 80 ٪ من العائدات الحكومية، وتقدر الوكالة كذلك أن ليبيا لديها من الذهب ومدخرات العملة الصعبة في نهاية 2010 ما يعادل 107,3 مليارات دولار بالإضافة إلى 15,3 مليار دولار استثمارات أجنبية، مقابل 6,4 مليارات دولار دينا خارجيا. هذا يجعل من السيطرة على الأصول النفطية والقطع الأجنبي والاستثمارات أمرا بالغ الأهمية، خاصة وأن الأغذية تعد مكونا مهما من مكونات الواردات الليبية.
السيناريو الثاني
النتيجة الثانية: يبرهن الثوار على أنهم أكثر ضعفا وتفرقا من أن يوقفوا القذافي ويمنعوه من المناورة ضدهم وتنحيته من السلطة. ويشكل الخلط بشأن المهمة الآن مخاطرة تفوق تطاول المهمة زمنيا، فإذا تم فرض منطقة حظر الطيران بصورة حرفية باعتبارها كذلك، فإنه يبدو بعيدا عن الوضوح ما إذا كان سيقدّر لأجنحة القذافي أن تصمد، دع جانبا أن تنتصر.
وقد يتمكن القذافي في إطار هذا السيناريو من استخدام قواته الصغيرة، وإن كانت أكثر تسليحا وانضباطا، للانتصار على الأرض من دون استخدام سلاح الطيران، كما يبدو الثوار في إطار هذا السيناريو أكثر تعرضا للانهيار جراء حالة ذعر مفاجئة، أو انقسام داخلي، أكثر مما تتعرض لذلك الأجنحة الموالية للقذافي، والثوار يحتاجون إلى مدربين أجانب، وإلى أسلحة قادمة من الخارج، ولكن ربما لا تتوافر لهم الوحدة ولا القدرة السياسية التي تسمح لهم بقبول مثل هذه المساعدة، واستخدامها بفعالية على الرغم من أن قوات القذافي يبدو أنها تقتصر على أعداد محدودة من القوات، التي تأخذ شكل كتائب إلى حد كبير وعناصر المشاة الخفيفة وقوى الأمن الداخلي.
علاوة على ذلك، فإنه إذا تضمن الأمر نوعا من قوة حفظ السلام أو التسوية السياسية، فإن القذافي قد يخلص إلى أن الانتقام هو بمثابة عملية يمكنه القيام بها على مهل، وينجح في القيام بصورة منهجية بتقويض أجنحة الثوار وتفريقها ورشوة قادة القبائل الرئيسيين، والأمر الأكثر احتمالا هو أنه قد يندفع في عملية الانتقام في اللحظة التي يشعر فيها بـأن بمقدوره القيام بها دون أن يتحمل ما يترتب عليها من عواقب، وهو سيناريو إما أن يمنحه النصر، وإما أن يفرض مرحلة ثانية من عملية حظر الطيران فوق ليبيا.
السيناريو الأكثر إزعاجاً
النتيجة الثالثة: في هذا السيناريو لا يبرز منتصر واضح، حيث تنقسم ليبيا بوقت لا يمكن التنبؤ به إلى منطقتين متعاديتين، سواء مع وجود جبهة أو وقف لإطلاق النار، ويتواصل الصراع الاقتصادي جنبا إلى جنب مع اندلاعات دورية للعنف، والنتيجة النهائية لهذا السيناريو هي صراع داخلي وخارجي ممتد على النفوذ والسلطة، وهي نتيجة ترتبط بشكل مباشر بهوية من يسيطر على الوضع في ليبيا، ويضع يده على عائدات النفط الليبية. وهذه التوترات جميعها التي تكشفت في إطار الجهد المبذول للوصول إلى قرار مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا تصبح الآن مصدرا للانقسام المستمر، حيث يحاول كلا الجانبين اكتساب التأييد.
وتصبح جهود الاستثمار والدعم مخاطر ذات نهاية مفتوحة، ويصبح من المحتمل بشكل أبرز أن يطل نوع من الرعاية الليبية للإرهاب الدولي، وتدخل ليبيا في سباق تسلح داخلي، وتسعى للحصول على الأسلحة والدعم من الخارج، وتتنافس القوى الخارجية على النفوذ داخلها، ويتم هذا في وسط إطار أوسع نطاقا من الاضطراب في المنطقة، وبصفة خاصة في كل من مصر وتونس.
