أعادت الأحداث الكبرى في الشرق الأوسط هذا العام تحديد معنى السياسة الخارجية، وهناك أولويات وتحديات جديدة تحتاج تدخلا غربيا مكثفا، ولكن من الضروري ألا تصبح الحرب الدائرة في أفغانستان «حرباً منسية»، على نحو ما حدث عام ‬2002 وترتبت عليه نتائج خطرة.

هناك مؤشرات إلى تحول مهم في السياسة، وقد تحدثت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية في فبراير الماضي عن «زيادة سياسية». وقال الممثل المدني الأقدم لـ «ناتو» مارك سيدويل الشهر الماضي: « الوقت مناسب الآن للمخاطرة واتباع أجندة سياسية بالطاقة ذاتها التي جلبنا بها الزيادات في أعداد العسكريين والمدنيين.

هذه الانحرافات، عما كان دون ذلك، تعتبر تركيزا لا هوادة فيه على العمليات العسكرية من جانب الحلفاء والأفغان، ينبغي المضي بها إلى مستوى جديد تماما من التعجل والتماسك والجهد.

 

موعد وهمي

لسوف يبرهن الموعد النهائي الذي حدده «ناتو» في أفغانستان وهو ‬2014 إلى موعد وهمي ما لم تكن هناك نهاية في الأفق، وهذه النهاية يتعين التفاوض بشأنها، وتشارك في ذلك القوى الغربية التي تقودها الولايات المتحدة مع كل الأطراف في الصراع الأفغاني ومؤيديها في المنطقة. والقضية ليست أن الذراع السياسية لدبلوماسية الدفاع- التنمية كانت غائبة، فالتسوية السياسية ليست جزءاً واحداً من استراتيجية متعددة المكونات في إطار التصدي للتمرد، وإنما هي إطار شامل يندرج كل شيء آخر بداخله، ويعمل كل شيء آخر في خدمته.

الأمر الأول والأكثر أهمية هو أن مجلس الأمن ينبغي أن يعين ويعطي صلاحيات لوسيط لتسهيل المحادثات، مع وجود تفويض واضح يحدد مبادئ النهاية، ودعوة مفتوحة للجميع للمشاركة، وهذا الوسيط ينبغي أن يأتي من العالم الإسلامي، ومهمته ستكون تجميع وجهات نظر الأطراف كافة وإيجاد الثقة من أجل الالتزام بعملية قوامها المحادثات الجادة حول مستقبل أفغانستان. وينبغي عليه بداية أن يطور فكرة مكان آمن في بلد ثالث، وليكن دولة عربية خليجية أو تركيا أو اليابان، لينطلق الجميع في المحادثات.

وثانياً نحن نحتاج إلى خطوات يمكن لكل طرف بمقتضاها أن يثبت حسن نواياه. وطالبان تريد وضع نهاية للغارات الليلية، وكذلك تريد ممراً آمناً من مقر المحادثات وإليه، وإطلاق سراح الأسرى، ونحن بحاجة إلى اقتراح عمليات وقف إطلاق نار محلية، وتأمين مشروعات التنمية على غرار حملة التلقيح ضد شلل الأطفال التي دعمتها طالبان في الماضي. ونريد إعلانا من طالبان بعدم ارتباطها بالقاعدة.

وثالثا هناك حاجة إلى وضوح في القيادة المدنية للوجود الدولي في أفغانستان، وذلك للتماشي مع الوضوح في القيادة العسكرية. ومع قيام الولايات المتحدة بتعيين سفير جديد هذا العام، فإن هذا التعيين يحتاج إلى الشخصية والتوجيهات وطول مدى التفويض، لتحقيق التناسق بين التوجهات المتضاربة في الجهد المدني الذي سيبذل بين الوقت الحاضر وعام ‬2014.

 

استراتيجية

سيشمل توصيف هذه الوظيفة أن يكون شاغلها عنصر الاتصال الرئيسي بالرئيس الأفغاني حامد قرضاي، حيث سيعمل معه عن كثب فيما يتعلق باستراتيجية إنهاء الصراع، ويقوم بالتنسيق مع قائد قوة «إيساف» لضمان أن الاستراتيجية العسكرية تتوافق مع استراتيجية إنهاء الصراع، ويوجد إطار عمل يمكن أن تعطي فيه القوة السياسية للأمم المتحدة والقوى التنموية للدول المساهمة ثمرتها الكاملة.

رابعا تحتاج باكستان إلى علاقة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تقوم على أساس المسؤولية والاحترام، وهي لا يمكنها أن تكون مميزة، ولكن الضغط وحده لن يدفعها إلى تقديم ما هو مطلوب منها. وهي تحتاج إلى إبرام صفقة مباشرة نقوم في إطارها بدعم أمنها على المدى الطويل مقابل مساعدتها الآن في حماية أمننا. والبديل هو أن ننهي التفاوض مع طالبان وباكستان في إطار نهاية مؤجلة للصراع.

خامسا: يتعين أن تكون هناك عملية لإجراء محادثات بين الجيران كافة بطريقة جدية ومنظمة، وينبغي أن يكون مبعوث الأمم المتحدة الجديد مسؤولا عن المشاركة الإقليمية وكذلك المحادثات الداخلية، وفي الحالة الأولى فإن هذه المحادثات ينبغي أن تكون ثنائية، ويتعين أن يكون الهدف في المدى المتوسط هو مجلس للاستقرار الإقليمي يــرف على العلاقات بين الجيران وأفغانستان.

لسوف يتقلص تأثيرنا، ولن يتحسن مع قدوم عام ‬2014، والتمرد يمكن أن ينتشر ويتجاوز قدرة القوى الدولية والأفغانية على كبح جماح نموه، وقادة الحرب يمكن أن يحكموا قبضتهم، والصراع العرقي الداخلي يمكن أن يصبح أكثر شبها بالحرب الأهلية. وقد أسفر مؤتمران دوليان في كابول في الصيف، وفي بون في ديسمبر، عن أجندة أو استعداد محدودين، ومن شأن الاتفاق على منهاج سياسي جديد أن يحيل هذين المؤتمرين إلى ذمة التاريخ. إن نظرية التصدي للتمرد وممارسته تقودان الجنوب إلى قول مأثور هو أنه ليس هناك حل عسكري، ولكن هذا القول غدا مأثورا لأنه صحيح، ولذا فقد آن الأوان لكي نكف عن التصرف كما لو كان هناك حل عسكري للصراع، وأن نقوم بتطوير حل سياسي.

ومن أجل ذلك فإن السياسيين ينبغي أن يكونوا قدوة وهذا هو الطريق إلى الأمام في أفغانستان، أي العمل لإصلاح الوضع دون الاكتفاء فقط بالاندفاع لإنهائه.