أجرت صحيفة «وول ستريت جورنال» حوارا مع الباحث برنارد لويس الأستاذ بجامعة برنستون الأميركية، الذي عرف إقليميا بمواقفه الاستشراقية التي عرضته لمعارك فكرية محتدمة أشهرها تلك التي خاضها ضد المفكر الفلسطيني الراحل د. إدوارد سعيد. وأعرب لويس في هذه المقابلة عن اعتقاده بأن تونس تعد الدولة الأكثر حظا بعد الثورة التي شهدتها في إقرار الديمقراطية مقارنة بالدول الأخرى التي اندلعت فيها رياح التغيير، وقال إن تركيا معرضة للاتجاه إلى التشدد خلال السنوات العشر المقبلة، وإن آفاق التغيير في مصر تمر بسيناريوهات لا تدعو للتفاؤل من منظوره. وفيما يلي نص الحوار الذي حظي باهتمام الكثيرين من المعنيين بشؤون الشرق الأوسط، وتعليقهم وتصديهم للآراء التي اوردها لويس فيها:
ما هو تقييمك للمرحلة التي يمر بها الشرق الأوسط حاليا:؟
أعتقد أن الطغاة قد انقضى عهدهم، والسؤال الحقيقي المطروح الآن هو من الذي سيجيء مكانهم في الشرق الأوسط. ويمكنني القول إنه تتوافر فرصة أفضل لتكريس الديمقراطية، أو على الأقل لتكريس نوع من المجتمع المفتوح والمتسامح، وإذا تم ذلك في إطار نظم أبناء المنطقة ووفقا لأعرافها، فلماذا نتوقع منهم أن يتبنوا نظاما غريبا؟ ولماذا نتوقع أن هذا النظام سينجح؟ بعد الحرب العالمية الأولى حاول الحلفاء المنتصرون فرض نظام برلماني على ألمانيا على الرغم من أن أبنائها لديهم تقليد سياسي مختلف تماما، وكانت النتيجة هي وصول هتلر إلى السلطة، حيث قدم إليها من خلال التلاعب بانتخابات حرة ونزيهة.
وبهذا المعنى فإن الانتخابات ينبغي أن تكون ذروة تطور سياسي تقليدي وليس بدايته، وهكذا فإن التشديد طوال الوقت على انتخابات، انتخابات برلمانية على الطراز الغربي هو وهم خطير، فالانتخابات على الطريقة الغربية أحرزت مزيجا من النجاح والفشل حتى في الغرب وحتى في فرنسا، التي يزعم أبناؤها أنهم اخترعوا الحرية، فإنهم الآن يعيشون في ظل الجمهورية الخامسة، ولا أحد يدري كم من الجمهوريات ستأتي قبل أن يستقروا.
ولست أعتقد أن بمقدورنا افتراض أن نظام الديمقراطية الأنجلو- أميركي هو نوع من القاعدة أو المثال الأعلى العالمي، ومن هنا فإن المسلمين ينبغي السماح لهم، بل مساعدتهم وتشجيعهم على تطوير طرقهم الخاصة في إنجاز الأمور، ففي الشرق الأوسط تعتبر المشاورة هي الكلمة السحرية، وهي ترد مرارا وتكرارا في النصوص الإسلامية، وتعود لأقدم العصور والحكام هناك حتى السلاطين العثمانيين العظام كان عليهم التشاور مع المجموعات المختلفة لتسيير الأمور.
هل يمكن للشرق الأوسط أن يستعيد هذا التقليد المتعلق بالشورى وأن يتبناه بالطريقة الصحيحة؟
دعني أذكرك بأني مؤرخ والتنبؤات ليست هي معقلي، لكن بوسعي تقديم بعض الأفكار، فأولا تتمتع تونس بإمكانية حقيقية فيما يتعلق بالديمقراطية ويرجع ذلك في المقام الأول إلى دور المرأة هناك، فتونس بقدر ما أعلم هي البلد الإسلامي الوحيد الذي جعل التعليم إجباريا بالنسبة للبنات منذ البداية وحتى نهاية المسار التعليمي، وهي البلد الإسلامي الوحيد الذي تجد المرأة فيه تعمل بكل المهن، وشعوري هو أن السبب الرئيس لتراجع المسلمين مقارنة بالغرب هو معاملتهم للمرأة. دعنا نفكر في الطفل الذي ينشأ في بيت في مثل هذا البلد حيث لا تتمتع الأم بالحقوق، وحيث يتم تهميشها، إن ذلك سيكون تمديدا لحياة من الطغيان، وهو يمهد الطريق لمجتمع سلطوي.
وماذا عن مصر؟
تعد مصر حالة أكثر تعقيدا، فالشبان الليبراليون المحتجون الذين قادوا الثورة في ميدان التحرير يتم حاليا تنحيتهم من قبل مجمع العسكر ــ الإخوان المسلمين، والانتخابات المتعجلة التي يمكن أن تجرى في سبتمبر المقبل قد تحمل الإخوان المسلمين حملا إلى السلطة وهذا موقف بالغ الخطورة وينبغي ألا تكون للغرب أوهام فيما يتعلق بهم، وبما يريدونه.
تعد تركيا ساحة خبرة خاصة بالنسبة لك، حيث كنت أول غربي يسمح له بدخول الأرشيف العثماني في اسطنبول عام 1950، فما هو تقييمك للتطورات الأخيرة التي تشهدها تركيا؟
في تركيا فإن التحرك يزداد شيئا فشيئا باتجاه التشدد، وأعتقد أن ذلك ما تنويه الحكومة هناك، وهذا الاتجاه قد هيمن على المجتمع التركي شريحة إثر الأخرى، الاقتصاد، مجتمع الأعمال، المجتمع الأكاديمي، الإعلام وحاليا القضاء الذي كان في الماضي معقلا قويا للنظام الجمهوري، وبعدة 10 سنوات من الآن سيكون التشدد قد غلب على تركيا.
