يطلق عليّ لقب مراسل حربي، وأنا أمقت هذه التسمية، لأن لها طعماً من الابتذال يبعث على الحزن، ولأن أي مراسل صحافي لا يمكنه تقديم تقاريره عن الحرب دون إلمام بالتوجهات السياسية الكامنة وراءها. فهل كان بالإمكان تغطية أحداث الحرب العالمية الثانية دون الإلمام بسياسة تشامبرلين الاسترضائية أو سياسة هتلر الداعية إلى ضم النمسا؟

في تونس، كنت غالبا ما أقاسم جيمس بايز، من قناة الجزيرة الإخبارية الناطقة بالإنجليزية، السيارة (نعم هو رفيقي ونعم كنت أسافر على حسابه طبعاً!)، وكنت أذهل بطريقته في التنحي جانبا أمام شاشة الكاميرا قائلا:» سوف أريكم المشهد لبعض اللحظات» ثم يختفي عن الشاشة ويدعنا نشاهد عشرات الآلاف من اللاجئين المصريين على الحدود التونسية. فالصور تتحدث بدلاً من الكلمات. فقد جلس المراسل الصحافي في الكرسي الخلفي (شاهد فتيان وفتيات البي.بي.سي. وهم يؤشرون بأيديهم بشكل سخيف في المقابل) وجعل الصور تحكي القصة. يقوم بايز الآن بتغطية تقدم الثوار الليبيين والتراجع الثابت من غرب ليبيا. يتنحى عن الصورة ويدعنا نشاهد فوضى من الخوف والرعب على طريق أجدابيا، يقول: « سوف أدعكم ترون ذلك بأم أعينكم». واقسم أنه يدعنا نرى ما يقوله. ولست متأكداً مما إذا كانت هذه هي الطريقة التي يجب أن تتم بها تغطية الحروب.

هناك أمر غير مستساغ بنقل تقرير على الشاشة مباشرة من دون مراسل صحافي. وغالبا ما تقوم قناة «يوروفيجون» بهذا الأمر «دون تعليق بالكلمات» بعرض الأشرطة، وأتعجب أحيانا ما إذا كانت تبشر بنوع جديد من الصحافة.

حاول جون سيمبسون مراسل البي.بي.سي القيام بذلك قبل سقوط كابول عام ‬2001، لكنه استخدم أسلوبا مختلفا. فقد سمح للمشاهدين برؤية فريق عمل الكاميرا الثانية. وأصبحوا أولئك جزءا من الرسالة الإخبارية فيما هو يتنقل من مشهد الى آخر، وببطء أصبحنا معتادين على الفكرة وجود فريق من أربعة أشخاص برفقته بحيث أصبحوا مشاركين طبيعيين في التقرير، كما المراسل نفسه. وأنا أؤيد هذا الأمر. فالفكرة التي تدور بأنه على المراسلين أن يومئوا برؤوسهم بطريقة يقصد بها التعبير عن مغزى ما أمام الكاميرا بعد فترة طويلة من انتهاء المقابلة وكأنهم ما زالوا يستمعون إلى الذين يجري الحوار معهم، هي فكرة مثيرة للضحك. وأرجوكم ليكف المراسلون التلفزيونيون عن تحريك أيديهم بطريقة شكسبيرية.

ما زال بايز يحرك يديه قليلا ــ لاحظت أنني قمت بذلك خلال وجودي على قناة الجزيرة ــ ولكنه في الغالب يقوم بذلك لدعوة المشاهدين للنظر إلى أمر يريد اطلاعهم عليه. كتبت في أحد الأيام أنه لا يمكن وصف مجزرة على ورق من دون استخدام لغة التقرير الطبي، وأخشى أن التلفزيون (بما في ذلك قناة الجزيرة) ما زال لا يعرض علينا رعب الفظائع كاملا، والادعاء بأن الأموات لا يمكن عرض جثثهم على الشاشة ــ في الوقت الذي علينا نحن الصحافيين أن نشاهدهم مع كل ما يحيطهم من رعب ــ يبدو لي دوما كلاما منافقا وينطوي على خداع، فإذا ما قامت الحكومات بالدخول في حرب (من منكم شاهد صور القتلى الليبيين بعد غارات قوات التحالف أخيراً؟ الجواب: لا أحد) يتوجب بناء على ذلك أن يسمح لنا برؤية الوجه الحقيقي للحرب.

وفي هذه الأثناء، شاهدوا «الجزيرة» وانظروا إلى صديقي العزيز جيمس بايز وتمنوا أن لا يضطر إلى التراجع أبعد من ذلك، وأن يدعني أرافقه في سفراته في سيارة فريق العمل الخاص به، بعد كتابة هذا المقال.