أجرى موقع «زد نت» الالكتروني مقابلة مع الكاتب والناشط الأميركي الشهير نعوم تشومسكي حذر فيها من أن التطورات الراهنة في ليبيا تمضي باتجاه تقسيمها إلى شرق غني بالنفط يسيطر عليه الثوار الليبيون ويحظى بدعم القوة الغربية، وغرب يسيطر عليه الرئيس الليبي معمر القذافي ويفتقر إلى الثراء النفطي الذي عرفت فيه ليبيا تقليديا. وشدد على أن القوى العالمية المحبة للسلام والعدل والحرية ينبغي أن تبذل قصارى جهدها لمساعدة الليبيين على تشكيل مستقبلهم، من دون الخضوع لضوابط تفرضها القوى الأجنبية. وحذر في الوقت نفسه من أن دوافع الولايات المتحدة للتحرك في ليبيا لا تزال هي نفسها التي حركتها في مراحل سابقة ، وهي فرض مزيد من الهيمنة في الشرق الأوسط. وفيما يلي نص الحوار:
ما الذي تتوقع حدوثه في ليبيا في المستقبل القريب، وما الذي تعتقد أن الحركة المعادية للتدخل والحرب في أميركا ينبغي أن تستهدفه في المرحلة الحالية؟:
ــ إن هذا المستقبل بالطبع أبعد ما يكون عن الوضوح ، ولكن الاحتمالات المطروحة تمر إما بتقسيم ليبيا إلى منطقة شرقية غنية بالنفط تعتمد بشدة على القوى الغربية، وغرب فقير يخضع لسيطرة الرئيس الليبي معمر القذافي الوحشية، أو انتصار من خلال دعم القوى الغربية. وتأمل القوى الغربية أنه أيا كان السيناريو الذي سيحدث فإن ليبيا ستكون في قبضة نظام أقل إثارة للمتاعب وأكثر اعتمادا على الغرب، والنتيجة وصفتها في وضوح بالغ صحيفة القدس العربي اللندنية أخيرا عندما أشارت إلى أنه من الصعب التنبؤ بما سيحدث ولكنها توقعت أن يترك التدخل ليبيا تحت ظل دولتين على النحو الذي أوضحت.
وفي ضوء حقيقة أن حقول النفط الليبية تم تأمينها، فإننا قد نجد أنفسنا أمام دويلة ليبية غنية بالنفط ومحدودة السكان ويحميها الغرب، أو قد يمضي الثوار الذين يؤيدهم الغرب فيقطعون الشوط كاملا ويقضون على القذافي. ويتعين على من يعنيهم السلام والعدل والحرية والديمقراطية أن يجدوا سبلا لدعم ومساعدة الليبيين الذين يسعون لتشكيل مستقبل بلادهم وتحريرها من الضوابط التي تفرضها القوى الأجنبية، ويمكن أن نعلق الآمال على الاتجاهات التي ينبغي أن يمضوا فيها، ولكن مستقبلهم ينبغي أن تشكله أيديهم.
ما هي في اعتقادك دوافع الولايات المتحدة في التحرك إزاء الوضع في ليبيا بالتعاون مع حلفائها؟
ــ ما هي دوافع الولايات المتحدة؟ على مستوى شديد العمومية يبدو لي أن الأدلة توضح أنها لن تختلف كثيرا عن الدراسات التخطيطية رفيعة المستوى التي أجرتها الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، حيث سلم المخططون بأن أميركا ستخرج من الحرب مسيطرة على العالم، فدعوا إلى إنشاء منطقة كبرى تحتفظ فيها الولايات المتحدة بسلطة لا توضع موضع المساءلة.
وبينما لا يشكل النفط العامل الوحيد في سياسة أميركا حيال الشرق الوسط إلا أنه يعد مؤشرا على اتجاه السياسة الأميركية حتى الآن. ففي الدول التي تفتقر إلى احتياطيات النفط والغاز الكبرى تنوعت تكتيكات أميركا، ولكنها احتفظت بمخطط تقليدي عندما يواجه طاغية تحبذه أميركا المتاعب حيث تعمد إلى دعمه لأطول فترة ممكنة، وعندما لا يكون ذلك ممكنا فإنها تصدر بيانات مدوية عن حب الديمقراطية ودعم حقوق الإنسان، ثم بعد ذلك تحاول بقدر الإمكان إنقاذ ما يمكن إنقاذه من النظام القديم.
وهذا السيناريو مألوف على نحو مضجر، حيث سبق أن شاهدناه في حالات ماركوس، دوبالييه، شاوشيسكو، موبوتو، سوهارتو وآخرين كثيرين، وشاهدناه أخيرا في تونس ومصر ، بينما في اليمن فنحن حيال مستنقع يمكن للتدخل المباشر أن يؤدي إلى مشكلات أكبر بالنسبة لواشنطن. أما ليبيا فهي حالة مختلفة، فهي غنية بالنفط وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة وبريطانيا قد منحتا غالبا لطاغيتها القاسي تأييدا ملحوظا حتى الوقت الراهن، إلا أنه لا يمكن الاعتماد علي.
وبالتالي فإنهما تفضلان عميلا أكثر انقيادا، وفضلا عن ذلك فإن أراضي ليبيا الشاسعة لن يتم في الغالب التنقيب عن النفط فيها، ويعتقد خبراء النفط أنها قد تحتوي على موارد نفطية هائلة لم تمس، يمكن لحكومة أكثر قابلية للاعتماد عليها أن تفتحها للاستغلال الغربي.
وعندما بدأت الانتفاضة سلمية في البداية سحقها القذافي بعنف، فاندلعت ثورة حررت بنغازي ثاني أكبر مدينة في ليبيا، ويبدو أنها تتحرك باتجاه معقل القذافي في الغرب، غير أن قواته بالطبع عكست هذا المسار، ومضت لتطرق أبواب بنغازي، وكان من المحتمل أن تشهد المدينة مذبحة مروعة وكما أشار دنيس روس مستشار اوباما للشرق الأوسط: «الجميع سيوجه اللوم إلينا.
ولم يكن ذلك مقبولا بالمرة، كذلك لم يكن مقبولا تحقيق القذافي انتصاراً عسكرياً يزيد قوته، وعندئذ اقترعت الولايات المتحدة على قرار لمجلس الأمن يدعو إلى فرض منطقة حظر طيران تنفذها فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، مع افتراض انتقال الولايات المتحدة إلى أداء دور داعم. وقد فسرت القوى الغربية ذلك على أنه تفويض بمشاركة مباشرة إلى جانب الثوار.
