كان «الاستقرار» هو الكلمة المهيمنة على كل سياسة تتعلق بالشرق الأوسط منذ فترة بعيدة. وكانت للاستقرار أسبابه في الشرق الأوسط، سواء كان ذلك بهدف تجنب نشوب حرب مع إسرائيل، أو حماية المصدر الأول للطاقة العالمية، أو تأمين العلاقات المتعلقة بالحصول على معلومات الاستخبارات لمحاربة تنظيم القاعدة.

هذا النموذج للاستقرار انتهت مسيرته الطويلة مع قيام التونسي محمد البو عزيزي بإحراق نفسه في ديسمبر الماضي، ولن يعود إلى الساحة من جديد.

ويحمل المستقبل معه ‬3 نماذج بديلة من الاستقرار: النموذج الأول هو القذافية أي الاستقرار بالقبضة الحديدية. والثاني هو فرض النزعة المتطرفة. والثالث والأخير، والمرغوب بصورة أكبر، هو الحداثة الاقتصادية.

يبدو البعض في التحالف الدولي الذي يتحرك حاليا عسكريا في ليبيا مستعدا للقبول بنهاية يظل فيها الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي محتفظا بالسلطة، وتعقب ذلك القذافية غير مكبوحة الجماح. والاستقرار الذي سيفرضه القذافي بعد رحيل التحالف الدولي سيجعل القمع السابق الذي مارسه يبدو تجسيدا للبراءة بعينها مقارنة بما سيقدم عليه لاحقا.

وربما قد يبدو هذا ثمنا مقبولا بالنسبة لبعض الواقعيين في البنتاغون وأوروبا وبعض القادة العسكريين المترددين في البيت الأبيض. والمشكلة هي أن تنويعات استقرار القذافية يحتمل أن تكون العرف الجديد في أوساط الطغاة الذين سيقدر لهم البقاء في الشرق الأوسط. وهذه الدرجة من القمع هي بالفعل شيء قائم في إحدى دول المنطقة، التي لا تتردد السلطة فيها في شنق خصومها بانتظام دقيق. وقد اندلعت تظاهرات أخيرا، في دولة عربية لم يكن الكثيرون يتوقعون أن تشهد ولو تظاهرات رمزية، وكما هو متوقع كان التصدي القمعي للمظاهرات هناك يفوق ما توقعه المراقبون على امتداد العالم.

وبعض المراقبين لا يترددون في الذهاب إلى الإعراب عن اعتقادهم بأن الرئيس المصري السابق حسني مبارك لم يحسن التعامل سياسيا مع الموقف الذي وجد نفسه حياله، فلو أنه كان يعرف مدى الصعوبة التي سيواجهها الغرب في التعامل مع قيام القذافي بقصف شعبه، لربما أطلق العنان للعسكريين للتصدي للمحتجين في القاهرة، وربما بقي في سدة الرئاسة متجاهلا ما يتعرض له من إدانات دولية. وهذا هو على وجه الدقة ما يقوم به حاليا الرئيس اليمني علي عبد الله صالح.

إذا قدر للقذافية البقاء والانتشار بموافقة من الغرب فإن عشرات الملايين من ضحاياها سيكون لديهم منطقهم في إلقاء اللوم على الغرب عن الحالة التي وصلوا إليها، وقد يمضون باحثين عن أهداف يتصدون لها.

والنزعة المتطرفة في المنطقة تبدو حريصة على فرض شكل آخر من أشكال الاستقرار، وقد أوضح الاستفتاء السريع الذي أجري على التعديلات الدستورية في مصر أن جماعة الإخوان المسلمين تقوم الآن ببناء صرح آلية عمل مع المؤسسة العسكرية، حيث أن العسكريين المصريين لا يشعرون بالارتياح حيال حركة الشباب الذين تتمثل غالبية مطالبهم في مطالب اقتصادية، وبالتالي فإنها تهدد دفق السيولة الذي يصل إلى العسكريين من رأسمالية التربح.

والبعض يقول إن الدول الإسلامية في جنوب شرق آسيا، بل وحتى تركيا تبرهن على أن الإسلام يمكن أن يتعايش في الشرق الأوسط مع الاقتصاد العالمي، ولكن هناك دليلا محدودا على ذلك، وما على القارئ إلا أن يقرأ الخطب المترجمة للمرشد العام الحالي للإخوان المسلمين محمد بديع ليدرك ذلك.

والقذافية ونزعة التطرف الصاعدة يجعلان من المحتمل أن العسكريين الأميركيين سيتعين عليهم العودة إلى المنطقة على نطاق واسع، سواء بعد هجمات أخرى واسعة النطاق على مراكز حضرية غربية، أو بعد حسابات إقليمية تفتقر إلى الدقة، أو عندما يقوم بائع خضر آخر بإشعال النار في المنطقة مجددا.

ولأسباب تتعلق بحماية النفس واحترامها فإننا في الغرب نحتاج إلى بديل للاستقرار الزائف للقذافية أو نزعة التطرف، فلماذا لا نعتمد الحداثة الاقتصادية؟