كانت موجة الثورات في العالم العربي عفوية، ولكن كان يتعين أيضاً أن تحدث فهي ضرورية لاستعادة المسيرة الطبيعية للتاريخ، وفي منطقتنا من العالم أي غرب آسيا وجنوب البحر المتوسط، كان هناك أمران خارجان على المألوف في القرن الماضي، هما الكولونيالية في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات، التي قسمت المنطقة إلى كيانات خاضعة للاستعمار، وقطعت الصلات الطبيعية وبين الشعوب والمجتمعات، وعلى سبيل لمثال فقد كانت سوريا مستعمرة فرنسية، وكان العراق مستعمرة بريطانية. وهكذا فإن الصلات الاقتصادية التاريخية بين دمشق وبغداد كانت قد قطعت.
وتمثل الأمر الثاني بالحرب الباردة التي أضافت المزيد من التقسيم، حيث أصبحت بلاد عاشت معاً على امتداد قرون أعداء، مثل تركيا وسوريا، وكنا في حلف «ناتو» بينما كانت سوريا مؤيدة للاتحاد السوفييتي. وأصبحت حدودنا ليست حدوداً بين دولتين، وإنما غدت حدوداً بين كتلتين. وبالمثل تم تقسيم اليمن.
المسار الطبيعي للتاريخ
الآن حان الوقت لإضفاء الطابع الطبيعي على مسار التاريخ، وأنا أنظر إلى كل هذه الثورات باعتبارها عملية تعرضت للتعطيل، وكان ينبغي أن تحدث في أواخر الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، كما هي الحال في شرق أوروبا، وهي لم تحدث حينئذ لأن البعض ذهب إلى القول إن المجتمعات العربية لا تستحق الديمقراطية، وتحتاج أنظمة شمولية للحفاظ على الوضع القائم، ولمنع النزعة الإسلامية المتطرفة. وشددت بعض البلاد التي تعتز بديمقراطيتها على أن الديمقراطية في الشرق الأوسط ستهدد أمن منطقتنا.
والآن نقول جميعا: لا، فالتركي العادي والعربي العادي والتونسي العادي يمكنه أن يغير التاريخ، ونحن نؤمن بأن الديمقراطية جيدة وأن شعبنا يستحقها. هذا مسار طبيعي للتاريخ، الجميع ينبغي أن يحترم إرادة الشعب هذه.
إذا لم ندرك أن هناك حاجة لإعادة ربط المجتمعات والجماعات والقبائل والعرقيات في منطقتنا فإننا سنفقد قوة اندفاع التاريخ، ومستقبلنا هو إحساسنا بالمصير المشترك، فنحن جميعاً في المنطقة لنا مصير مشترك.
الآن إذا كان هذا التحول هو المسار الطبيعي للتاريخ فكيف ينبغي علينا الاستجابة له؟ أولا: نحن بحاجة إلى خطة طارئة لإنقاذ حياة الناس ولمنع الكارثة. ثانياً: نحن بحاجة إلى تطبيع الحياة. وأخيراً نحن بحاجة إلى إعادة بناء وترميم الأنظمة السياسية في منطقتنا، تماما كما كنا سنعيد بناء بيوتنا لو أننا تعرضنا لتسونامي هائلة.
ولكن لكي ننفذ عملية إعادة الإعمار هذه فإننا نحتاج إلى خطة، نحتاج إلى رؤية، ونحن نحتاج إلى الثقة بالنفس للقيام بذلك، الثقة بالنفس لكي نقول: هذه المنطقة هي منطقتنا وسوف نعيد بناءها، ولكن لكي يحدث هذا كله يتعين علينا أن نكون واضحين فيما يتعلق بالمبادئ الأساسية التي ينبغي أن نتبعها:
الثقة بالجماهير
1ـ نحن بحاجة إلى الثقة بالجماهير في منطقتنا التي تريد الاحترام والكرامة، وهذا مفهوم مهم اليوم، أعني الكرامة. فعلى امتداد عقود من الزمن تعرضنا للإهانات، ونحن الآن نريد الكرامة، وهذا هو ما طالب به الشباب في ميدان التحرير، وبعد الاستماع إليهم أصبحت أكثر تفاؤلاً بكثير فيما يتعلق بالمستقبل. هذا الجيل هو مستقبل مصر وهم يعرفون ما يريدون وهذه قوة الدفع الجديدة في منطقتنا وينبغي احترامها.
والمبدأ الثاني هو أن التغير والتحول أمران ضروريان وليسا اختياراً، فإذا انطلق التاريخ في مسيرته وحاولت أن تقاومها فسوف تخسر، وما من قائد مهما كان كاريزمياً يمكنه أن يوقف مسيرة التاريخ، والآن حان الوقت للتغيير، وما من أحد ينبغي أن يتشبث بمنطق الحرب الباردة، ما من أحد ينبغي أن يذهب إلى القول بأن نظاماً أو شخصاً فحسب هو الذي يمكنه ضمان استقرار بلد ما، فالشعب هو الضامن الوحيد للاستقرار.
3ـ لا بد لهذا التغيير أن يكون سلميا، لأن الأمن والحرية ليسا بديلين أحدهما عن الآخر، ونحن نحتاجهما معاً، وفي هذه المنطقة من العالم ضقنا ذرعاً بالحروب الأهلية والتوتر، وينبغي علينا جميعاً أن نتصرف بحكمة ومن دون إثارة للعنف أو للشقاق المدني بين الإخوة والأخوات. علينا أن نجعل هذا التغيير ممكناً بروح المصير المشترك نفسه.
الشفافية والمساءلة
4ـ نحن بحاجة إلى الشفافية والمساءلة وحقوق الإنسان وحكم القانون، وأن نحمي مؤسساتنا الاجتماعية والرسمية، فالثورة لا تعني الدمار، والحالة المصرية هي نموذج جيد في هذا الصدد، حيث تحرك الجيش بحكمة بالغة لا ليواجه الشعب ولكن إذا لم يكن هناك فصل واضح بين الأدوار العسكرية والمدنية للمؤسسات السياسية فقد تواجه مشكلات، وقد تأثرت كثيراً لقرار الفريق طنطاوي بتسليم السلطة إلى المدنيين في أقرب وقت ممكن. أخيراً، فإن تكامل أراضي بلادنا ومنطقتنا لا بد من احترامه. والوضعية القانونية وتكامل أراضي الدول بما في ذلك ليبيا واليمن لا بد من حمايتهما. خلال المرحلة الكولونيالية والحرب الباردة كان لدينا ما يكفي من الانقسامات، ما يكفي من الانفصالات.
وهذه العملية ينبغي أن يقودها شعب كل بلد، ولكن ينبغي أن تكون هناك ملكية إقليمية فهذه المنطقة منطقتنا، والمثقفون وصناع الرأي والسياسيون في هذه المنطقة ينبغي أن يلتقوا بصورة أكثر تقارباً ليقرروا ما الذي ينبغي أن يحدث لمنطقتنا في المستقبل، فسوف نكون مرتبطين أحدنا بالآخر طوال قرون مقبلة.
