تعد ليبيا، على نحو يتجاوز أفغانستان والعراق، بمثابة وجه للصراع في القرن الحادي والعشرين، فهناك تدور رحى حرب أهلية تتضمن الإطاحة بدكتاتور من قبل قوى معارضة محلية، في بلد عرف تقليديا بثرواته النفطية، تتدخل فيه دول «ناتو» المستهلكة للنفط عسكرياً لمنع هذا الدكتاتور من ذبح شعبه. وفي غضون ذلك فإن هذه الدول عينها لا تتدخل لدعم انتفاضة المعارضة في مناطق أخرى من العالم العربي مثل اليمن، التي كانت أكثر تعاونا مع الولايات المتحدة من ليبيا. وهناك مؤشرات عديدة تدل على أن بعض الليبيين المنخرطين في الانتفاضة على الرئيس الليبي معمر القذافي هم معادون لأميركا أيضاً، ربما إلى حد دعم قوى عرفت تقليدياً بعدائها المعلن لأميركا، ونحن لا نعرف ما إذا كان هذا صحيحاً على وجه الدقة في ليبيا أو غيرها، لأننا لم نطور معلومات دقيقة عن الشارع العربي. هل يبدو هذا داعيا للشعور بالارتباك؟ إنه يتعين أن يكون كذلك. إن الصراع في هذا القرن سيجعل حروب الدول في القرن العشرين ضد الإمبرياليين والفاشيين والشيوعيين يبدو شيئاً يبسطاً إذا قورن بين الأخيار مقابل الأشرار، ولكن ما هي المبادئ التي نستخدمها لكي نقرر التدخل في صراع لم يهددنا أي من الفريقين المنخرطين فيه، وحيث نجد أن كل الأطراف هي قوى لا مجال للشعور بالارتياح من جانب الغرب حيالها، ولا يرتدي أي من مقاتلي الجانبين أو كلاهما أزياء عسكرية، ولا يمتلك أحد سلطة أخلاقية؟
إن هذا القرن الحافل بالصراعات سوف يكون أقرب إلى اللون الرمادي منه إلى اللونين الأبيض والأسود. والأمل معلق على ألا نقرر استخدام القوة العسكرية عن طريق إلقاء عملة في الهواء والنظر إلى الوجه الذي ستسقط عليه، فهذا سيكون بمثابة الوصفة الطبية للنزعة التحكمية والتعسفية التي لا يرتاح إليها أحد. وحتى الآن فإن التطور الوحيد على الساحة الليبية هو النزعة القيادية النادرة التي أظهرتها بريطانيا وفرنسا، حيث يبدو أنهما أرغمتا على التحرك.