تتعدد عناصر القلق في الغرب بشأن التطورات التي تشهدها مصر بعد اندلاع ثورة يناير، وهناك في الغرب من لا يتردد في التخوف ممن أن التطورات ستجلب الديمقراطية على نحو بالغ السرعة، وتفتح المجال لوصول الإخوان المسلمين إلى السلطة، ولكن القلق الحقيقي هو أن النظام القديم سيتخلص فقط من جلده المدني الفاسد، تاركا مكونه العسكري باعتباره اللاعب الوحيد الذي يخلف في الساحة. ولم يكن من قبيل الصدفة أن تتردد على ألسنة شخصيات بارزة أقوال حول أن الشعب المصري يتعين عليه الاختيار بين ما يجده أمامه وبين انقلاب عسكري.
والواقع أن النظام السياسي المصري في ظل الرئيس المصري السابق حسني مبارك كان النظام المنحدر مباشرة من الجمهورية التي تم تأسيسها في أعقاب ثورة 1952 والتي وضعت الضباط الأحرار وعلى رأسهم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في سدة السلطة، وقد ألغى ناصر والضباط الأحرار الملكية البرلمانية المحدودة، وتخلصوا من جيل بكامله من الشخصيات السياسية والقضائية المدنية، وأبعدوها عن الحياة العامة، وأقاموا جمهورية تستند إلى الشخصيات العسكرية الموالية. ومنيت تجربتهم الوحيدة، فيما يتعلق بحكم التكنوقراط والتي سمحت للخبراء الدستوريين المصريين بكتابة وثيقة أساسية جديدة، بالفشل. وتضمنت مسودة الدستور التي كتبها هؤلاء الخبراء مواد تنص على برلمان قوية ورئاسة محدودة السلطات، وهي الوثيقة التي اعتمدها الضباط الأحرار نضالية أكثر منها برلمانية فألقوا بها بصورة حرفية في سلة المهملات، وبدأوا الأمر من جديد فوضعوا دستورا يحشد سلطة هائلة في يد رئيس الجمهورية.
برهن هذا الترتيب على طابعه العملي بالنسبة للعسكريين، حيث أن جميع رؤساء مصر منذ عام 1953 كانوا من ضباط الجيش، وعلى امتداد جيلين تمكن العسكريون من خلال الرئيس من تحويل معظم مواد البلاد باتجاه الأمن القومي، وتسلحوا بخوض سلسلة من الحروب الكارثية مع إسرائيل، وأدت هذه النتائج جنبا إلى جنب مع إهمال الحكومة للاقتصاد إلى الاقتراب بالبلاد من حافة الإفلاس، وإن اندلعت انتفاضة شعبية في الفترة من 1975 و1977 في مواجهة السياسات الاقتصادية للحكومة، ولاستعادة السيطرة تحول العسكريون باهتمامهم إلى التنمية، وانسحبوا تدريجيا من السيطرة المباشرة على الحياة السياسية، حيث سلموا السلطة إلى قوات الأمن المحلية والمؤيدين الأقوياء الآخرين للحزب الحاكم في مصر، وهم مجموعات من رجال الأعمال المدنيين، الذين استفادوا من وصولهم المميز إلى الصفقات الحكومية ليوسعوا نطاق ثرواتهم.
وفي التسعينات ضغط مبارك على العناصر الإسلامية، وتطور دور العسكريين بشكل أكبر، ومع ازدياد اعتماد الحكومة على قوة الشرطة التي توسع نطاقها كثيرا، تقلص الجيش من حيث النطاق والأهمية، وبمرور الوقت حلت الشرطة ووزارة الداخلية محل القوات المسلحة ووزارة الدفاع كلاعب مؤثر بالنسبة للنظام، وفي غضون ذلك فإن النخبة من رجال الأعمال تزايدت قوتها، ومنحها مبارك فرصة الوصول إلى المراكز القيادية في الحزب الوطني الحاكم، وقد أقنعوه بأن يفتح أبواب الاقتصاد المصري أمام التجارة العالمية، فازدادوا ثراء على نحو هائل.
غير أنه تم تهدئة ضباط الجيش من خلال عناصر الاستفادة الاقتصادية، وعلى امتداد التسعينات توسع الجيش في نشاطه في إطار الاقتصاد، وبحلول ذلك العقد قدرت قيمة الصناعات التي يمتلكها العسكريون بأنها تسيطر على ما يتراوح بين 5-20٪ من الاقتصاد المصري بأسره، وبالمثل تلقى ضباط الجيش العديد من الفوائد النوعية، مثل التفضيل الخاص في الحصول على السلع والخدمات.
واليوم يطرح الجيش نفسه باعتباره قوة للحفاظ على النظام وحكما محايدا بين الخصوم المتنافسين، ولكنه لديه مصالحه المهمة التي يتعين عليه الدفاع عنها، وهو ليس في حقيقة الأمر محايدا، فالهيكل الأساسي للدولة المصرية كما هي قائمة اليوم قد أفاد العسكريين، والمطالب العملية للمحتجين تبدو بسيطة إلى حد بعيد، وهي إنهاء حالة الطوارئ، إجراء انتخابات جديدة ومنح حرية تشكيل الأحزاب دون تدخل من جانب الدولة، ولكن هذه المطالب من شأنها أن ترقى إلى فتح المجال السياسي أمام الجميع على امتداد التركيب الاجتماعية والسياسية في مصر، وهذا من شأنه أن يقتضي تعديلات دستورية وقانونية، مثل جعل نظام مصر نظاما برلمانيا وليس رئاسيا تقوم فيه أغلبية منتخبة بشكل حر باختيار رئيس الوزراء، بينما كان حتى الآن يعين من قبل الرئيس. وهذه التغييرات من شأنها في نهاية المطاف أن تكتسح هيكل السلطة الذي أنشأه الجيش في 1952 ودعمه حتى الآن.
إن نظام مبارك، على نحو ما وجد في العقد الماضي، والذي جسدته حكومة مفتقرة للكفاءة، وفاسدة بشكل متزايد، كرست مزايا اقتصادية لقلة من رجال الأعمال ذوي الاتصالات السياسية، قد تم القضاء عليه، ولا يزال بإمكان أن يبرز نظام سياسي أكثر انفتاحا وحكومة تتمتع بالقدرة على استجابة تضمن سلامتها بتقليص سلطة العسكريين وامتيازاتهم، والجيش قد يكرس دوره كحامل لسلطة انتقالية ويقر بأنه ليس بمقدوره العودة إلى السيطرة الكاملة. ولما كان العسكريون المصريون أكثر اتساما بالطابع المهني، وأعظم ثقافة وتعليما ما كانوا عليه في الخمسينات، فإن كثير من الضباط قد يدركون فوائد الديمقراطية، غير أن الأمر الأكثر احتمالا هو أن يتجهوا عائدين إلى شكل ما من أشكال الحكم الفردي العسكري، العائد إلى عقود مضت.
