في بعض الأحيان يكون عبئا ثقيلا على أميركا أن تكون ذاتها، وهذا الوضع لن يتوقف ما لم تجد الولايات المتحدة سببا لتخليص نفسها من الثقل الذي تفرضه عليها شعوب العالم المفعمة بالطموح، ومع انتفاضات الشرق الأوسط فإننا ربما نكون قد وصلنا إلى هذه المرحلة.
بعد أقل من أسبوع من التظاهرات الهائلة التي اجتاحت القاهرة دعا خبير أميركي بارز في السياسة الخارجية إلى عدم تأييدها، وقال: « لا أحد يعرف حقا الكثير عن هؤلاء المحتجين».
عندما استجمع أبناء اثني عشر بلدا في الشرق الأوسط شجاعتهم للانطلاق إلى الشوارع من أجل تحقيق الحرية بدت وزارة الخارجية الأميركية مثل غزال مذهول يحدق في الصور المتلاحقة على شاشة جهاز التلفزيون متسائلا من هم هؤلاء الناس؟
وكتب ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية يقول في مقال شهير: « لا بد من الإقرار بأن معمر القذافي هو طاغية لا يرحم، وهو الأمر الذي برهن عليه، ولكن هذا الإقرار لا يكرس الصدق الديمقراطي لمن يعارضونه».
ومن المؤكد أن القليل من التدقيق سيسفر عن الوصول إلى شيء مشابه قيل عام 1770 حول أحداث ماساسوستش.
إن هذا العذر، المتعلق بأننا ليست لدينا معرفة بمن يتصدرون ساحة الأحداث، هو عذر أقبح من ذنب، وقد مضى الباحثون في أماكن مثل معهد المشروع الأميركي، مركز كارنجي للشرق الأوسط، وغيرهما يكتبون بالتفصيل على امتداد سنوات عن هؤلاء الناس، مناشدين المؤسسة السياسية الأميركية أن تدرك مدى تقلقل «استقرار» الوضع القائم.
غير أنه من الواضح من رد الفعل الأميركي المتقلقل والبعيد عن التركيز على هذه الأحداث، أن السياسة التي تم إتباعها حيال هذه الدول قد أصبحت أولوية من المستوى الثاني، فكيف أصبحت كل هذه الشعوب بعيدة عن صدارة التفكير الأميركي؟
السبب يمكن تلخيصه في عبارة واحدة هي عملية السلام العربية الإسرائيلية، فقد امتصت الأكسجين من التفكير الأميركي فيما يتعلق بالشرق الأوسط. ومع قيام كل وزير خارحية أميركي بالانطلاق لحل اللغز الذي لا نهاية له، فإن «عملية السلام» قد قزمت كل شيء، وقلصت الجميع في المنطقة، وحولتهم إلى ممثلين ثانويين حيال هذا الهوس، وأصبح الحشد الهائل من الشباب الذي لا يجد عملا في المنطقة شيئا ثانويا بالنسبة للولايات المتحدة، وبرزت الحجة القائلة: « نحن لا نعرف من هم»، وانتظرت هوية هؤلاء الناس دورها في الاهتمام بها لتعطى الأولوية للانتظار، إلى أن يحصل رئيس أميركي ما على جائزة نوبل للسلام من خلال «حل « المشكلة الفلسطينية.
حسنا هؤلاء الشباب لم ينتظروا وإنما انفجروا في يناير 2011.
ما من شيء من هذا ينكر مصالح الاقتصاد العالمي في المنطقة، ولكن القادة الأميركيين لا ينبغي أن يدعوا أن هذا سيصبح عذرا لنسيان هويتهم ونسيان من أين قدموا، فقد قال المنشقون المنتمون إلى الحقبة السوفييتية، وكتبوا يقولون إنه من بين الأمور التي أبقت على تماسكهم أن رؤوسهم امتلأت بالأفكار المستمدة من حريات أميركا.
يا لها من فوضى تلك التي أحدثها الآباء الأميركيون المؤسسون والجيش القاري للعاكفين على البحث في وزارة الخارجية الأميركية، الذين قدموا، أخيرا، تصورا مدهشا للمصالح الأميركية، ونحن نقرأ الآن في التحليلات الإخبارية ومقالات الرأي قوائم طويلة. من الأسباب الكامنة وراء أن مساعدة الثوار الليبيين من قبل أميركا من شأنها أن تحدث أثرا عكسيا، وما يعنيه هذا هو أن التدخل الأميركي في ليبيا لن يحدث تماما كما كانت الحال في سيربرينيتشا أو كوسوفو إلا بعد أن تتصاعد المذابح التي يرتكبها الرئيس الليبي معمر القذافي من مجرد مذبحة إلى قتل جماعي هائل، وقد تورطت أوروبا في القتل الجماعي في البلقان، ولكن الولايات المتحدة لم تستطع ذلك وهو تمييز مهم في المكانة الدولية.
ربما يكون تعبير «اللحظة الفارقة» هو تعبير استخدم كثيرا إلى حد الإفراط، ولكنه التعبير المناسب هنا، فمع انطلاق هذه الاحتجاجات يكون قطار التاريخ قد غادر المحطة، والولايات المتحدة تحتاج إلى إصدار بيان أكثر اتساما بطابعه العلني والحاسم يعرب عن التأييد للحكومة التمثيلية الأصيلة، ويجد سياسة نشطة تتماشى مع هذا البيان.
يمكن لرئيس أميركي، فحسب، أن يقود هذا القتال، ولكنه يتعين عليه أن يؤمن به حقا، وهناك مدرسة فكرية رائجة حول فريق أوباما للسياسة الخارجية مفادها أن العالم سيكون أفضل حالا دون أسطورة الطابع الاستثنائي لأميركا، والأعباء التي تأتي مع هذا الطابع، وإذا لم يكن بمقدور الحكومة الأميركية أن تستدعي أكثر من القول إن قرار من الأمم المتحدة من أجل 10 دول وحركات ديمقراطية ناشئة في الشرق الأوسط، فإن هذا الطابع الاستثنائي سيزول، وأحسب أن العالم لن يكون أفضل إذا حدث ذلك.
