انقضت أنباء الكارثة النووية على اليابان مثل صاعقة نزلت من السماء، وفي البداية كان الحادي عشر من مارس يوما من تلك الأيام العادية، وكانت القضايا التي تثير قلق اليابان متواضعة بصورة نسبية: كالمشكلات الاقتصادية المتعلقة بالتضخم والبطالة، القصور الذاتي من جانب حكومة عاجزة عن تحسين حياة الشعب بعد عام ونصف العام من التصويت لصالحها في الانتخابات بناء على تعهداتها ووعودها الوردية، وكانت الحياة السياسية اليابانية تعاني من الوصول إلى نهاية النفق، الأمر الذي أوجد شعورا بأن الأمور مضت في مسار خاطئ.
ثم ضرب الزلزال اليابان، ودمرت المنطقة الساحلية الشمالية الشرقية في الجزيرة الرئيسية هناك، وهي جزيرة هونشو، الأمر الذي أدى إلى سقوط عدد هائل من الضحايا ربما وصل إلى عشرات الألوف من البشر، ووصول عدد اللاجئين إلى نصف مليون لاجئ. واكتسحت الطاقة السيزمية كل الإجراءات والخطوات الاحترازية التي كانت اليابان قد اعتمدتها، وكذلك كل خبراتها ومعرفتها وتقنيتها التي لم تكن ندا لهذا الزلزال والتسونامي الذي أعقبه. وليس من الغريب إذاً أن الحكومة اليابانية أكثر من جاهزة لقبول أي مساعدة من فرق الإنقاذ على امتداد العالم.
لقد ذهلت اليابان بأسرها إزاء النطاق الهائل للدمار الذي تعرضت له المناطق التي كانت تستقطب الأنظار يوما بجمالها، ولا يزال الناس عاجزين عن انتزاع أبصارهم بعيدا عن بث البرامج الإخبارية على مدار الساعة، ولا يزال الكثيرون منهم يحاولون الاتصال بآبائهم وأطفالهم وأصدقائهم للتأكد من سلامتهم. وهناك الكثيرون ممن صمموا على التطوع للعمل في الإنقاذ من الكارثة والقيام بكل ما في وسعهم، بينما بدأ آخرون في جمع التبرعات المالية للضحايا.
وعلى الرغم من ذلك، فإن اليابان التي يبلغ إجمالي عدد سكانها 120 مليون نسمة، لا تزال تقف صامدة والمناطق الحضرية الكبرى فيها سليمة لم تمس، بما في ذلك طوكيو وأوساكا.
ومن المؤكد أن منطقة طوكيو الكبرى لا تزال تشهد انقطاعات ملموسة في الطاقة الكهربائية، ولا تزال متلازمة أعراض الصين تهيمن علينا مع وقوع الضرر في المفاعلات النووية الكبرى. ويتعرض الاقتصاد الياباني للاضطرابات بعد هبوط مؤشر نيكاي القياسي للأسهم وتذبذبه.
وعلى الرغم من ذلك كله فإن الصعوبات يمكن التحكم فيها، ولا يمكن مقارنتها بالدمار الذي عانت منه اليابان خلال الحرب العالمية الثانية. واليابان اليوم مسلحة بالموهبة والقدرات الاقتصادية والصناعية الضرورية لإعادة الإعمار، وهي ليست بحاجة إلى المساعدة الاقتصادية الخارجية، لأن تمويل القطاع الخاص والمدخرات الفردية يظلان كافيين لتمويل مشاريع إعادة الإعمار، وذلك على الرغم من العجز المالي والدين القومي المتعاظم. ويتعين على الحكومة اليابانية أن تطرح على الأسواق المالية سياسات عملية قابلة للتطبيق.
وبينما ستزيد هذه الأزمة شعور اليابانيين بالوحدة والتضامن فإن أمتهم المتجانسة ستواجه قريبا قضايا متعلقة بالسياسة الاقتصادية يفجرها تأهيل برامج عملاقة لإعادة التعمير، وربما ستصل تكلفة هذه البرامج إلى حوالي 50 تريليون ين، أي ما يعادل 10٪ من إجمالي الناتج المحلي الياباني، وهو ما يعادل تقريبا التراجع في إجمالي الناتج المحلي الياباني الذي أطلقه التردي الاقتصادي في أعقاب عام 2008، وهي الظاهرة التي وقع الاقتصاد الياباني في براثنها منذ ذلك الحين. وإعادة الإعمار يمكن أن تكون ما يتم الاحتياج إليه لمجرد الانطلاق بالاقتصاد مجددا.
لقد برهن التحرك بصورة حاسمة على صعوبته بالنسبة لحكومة رئيس الوزراء الياياني «مانتو كان». وفي وقت تكافح فيه معظم الاقتصادات الكبرى التضخم، فإن اليابان هي على وجه التقريب الدولة الوحيدة التي دفعت بها إلى الركود الظاهرة المقابلة، وهي الانكماش، وهذا يجعل حكومة «مانتو كان» أكثر اتساما بالطابع المحافظ مما هو ضروري، وربما كانت تحركاتها أقل في النطاق، وأكثر تأخرا في الناحية الزمنية، من أن تدفع برامج إعادة الإعمار قدما. والإنفاق العام الكبير قد يكون منصة انطلاق لإعادة الإعمار باعتباره كذلك، ولكنه لن يعيد الحيوية للاقتصاد الوطني، ولن يعيدها أيضا للاقتصاد المحلي في المناطق المتضررة.
ستتمثل المشكلة الأكبر بالنسبة لليابان في القضية القديمة المتعلقة بنوعية القيادة الوطنية، فالحكومة دفعتها إلى الركن الضيق الفضائح المتعلقة بالتبرعات والتمويلات السياسية، وأيضا إساءة إدارة التحالف الياباني ــ الأميركي الذي يتمحور حول نقل القاعدة البحرية الأميركية في أوكيناوا إلى منطقة أخرى. وأخيرا المزاعم التي دارت حول برامج المعاشات العامة.
وفي حقيقة الأمر فإن الزلزال وتسونامي قد يطيلان عمر حكومة «كان» على الأقل للأشهر القليلة المقبلة. فقد كانت الحكومة على وشك تقديم استقالتها الجماعية، وأوشك رئيس الوزراء على أن يجبر على حل المجلس الأدنى في البرلمان، غير أن أحزاب المعارضة الآن سيتعين عليها أن تساعد حكومة «كان» في جهودها لإغاثة سكان المناطق المتضررة بالكارثة، وفي جهودها لإعادة الإعمار وذلك بروحية الائتلاف الكبير.
في التقاليد الشرقية يعتقد أن وقوع كارثة طبيعية هو بمثابة نذير يشير إلى تنحية حاكم من خلال تفويض سماوي، والوعي الجماعي الياباني يدرك بالتأكيد مثل هذا النذير، وللتغلب على ذلك فإن حكومة «كان» سيتعين عليها أن تتميز في إدارة الأزمة بما في ذلك إحكام السيطرة على محطات الطاقة النووية، وإلى أن تغدو هذه النتيجة واضحة للعيان بجلاء، فإن العالم لا يمكنه أن يعرف ما الذي يعنيه الزلزال والتسونامي.
