أصبح من الواضح تدريجياً مدى الضرر الفظيع الذي أحدثه الزلزال الهائل الذي ضرب منطقة واسعة من شرقي اليابان أخيراً، فقد دمرت البلدات الساحلية في ‬3 مقاطعات في إقليم توكو، وهي ايواتي ومياجي وفوكوشيما، وضربت موجات مد هائلة بعد دقائق قليلة من وقوع الزلزال الساحل، فاكتسحت أمامها الدور والسيارات، بل والسفن والمراكب، واندلعت حرائق عديدة هائلة. وفي مدينة كيسينوما بمقاطعة مياجي دُمر قلب المدينة بكامله. وفي مدينة مينامي أصبح ‬10 آلاف من السكان البالغ عددهم ‬17 ألف نسمة في عداد المفقودين.

وفي تطور يبعث على الشعور بالصدمة وقع انفجار في مفاعل فوكوشيما رقم ‬1، دمر المباني الخارجية لمبنى المفاعل. ولا شك أن الرعب قد استبد بالكثيرين على امتداد العالم وهم يشاهدون المنظر على شاشات التلفزيون.

لأسباب أمنية فإن المفاعلات في محطات الطاقة النووية هي جزء من هيكل ثلاثي الطيات، والجزء الداخلي منها، وهو المفاعل، موجود داخل مستوعب، وهذا المستوعب موجود في مبنى المفاعل، وقد كان هذا الجزء الخارجي، أي مبنى المفاعل، هو الذي تضرر من الانفجار.

وقد ساد الاعتقاد بأن هذا الانفجار سببه غاز تسرب من المستوعب، ولكن المستوعب لم يلحقه ضرر، وواصل أداء عمله حسب التقارير الرسمية اليابانية.

غير أن نظام التبريد في المفاعل رقم ‬1 في فوكوشيما لم يعمل بصورة فورية بعد الزلزال الكبير، وتناقص مستوى مياه التبريد بصورة كبيرة، كاشفا عن أعمدة الوقود النووي، وربما تسبب في انصهار جانب من مجمع الوقود. وكانت هذه هي أول حادثة نووية خطيرة في اليابان.

وللتعامل مع الموقف قررت شركة «تي إي بي» حقن ماء البحر في المفاعل لتبريده تماما، وكانت الشركة قد ترددت في القيام بذلك لأن الملح وغيره من المواد الموجودة في مياه البحر ستجعل من الصعب تشغيل المفاعل في المستقبل، ونحن نعتقد أن هذا القرار كان يمكن اتخاذه في وقت أبكر، في ضوء أهمية ضمان اعتبارات الأمان قبل كل شيء.

وعلى الرغم من أن كمية المواد المشعة التي تسربت خارج محطة الطاقة كانت محدودة، إلا أنها فاقمت مخاوف الرأي العام من التلوث النووي، حيث أجبر سكان المنطقة المحيطة بمحطة الطاقة على إخلاء دورهم، الأمر الذي عرضهم لمتاعب كبيرة، ونحن هنا نتساءل كيف أن الحكومة لم تزود المواطنين بالمعلومات الهامة في مثل هذا الموقف.

لقد وقع الانفجار في الثالثة والنصف من بعد ظهر يوم السبت المشؤوم ذاك، ولكن وزير شؤون مجلس الوزراء يوكيه إيغانو لم يقر رسمياً بوقوع انفجار إلا بعد ذلك بساعتين في مؤتمر صحافي عقده لهذا الغرض. وجاء إعلانه بأنه لم يقع تسرب كبير للمواد المشعة وأن الانفجار لم يحدث في مستوعب المفاعل، بعد ‬5 ساعات كاملة من وقوع الانفجار.

هل كانت هذه الإعلانات متأخرة أكثر من اللازم؟ لم يذكر ايغانو أي معلومات مهمة في مؤتمره الصحافي الأول، مثل كمية المواد المشعة المتسربة من المفاعل، أو أي معلومات عمن ينبغي إخلاؤهم من المنطقة المجاورة للمفاعل.

كان ينبغي على شركة «تي إي بي» ووكالة الأمن النووي والصناعي للاقتصاد ووزارة التجارة والصناعة أن تتعاون عن كثيب لحسم المشكلات في المفاعل رقم ‬1 في محطة فوكوشيما رقم ‬1.

حتى إذا كان نطاق هذا الزلزال متجاوزا للحد الأقصى المفترض فيما يتعلق بمقاومة الزلزال، فإن الإدارة المتراخية للأزمة ينبغي أن توضع بصرامة موضع التساؤل.

إن توليد الطاقة النووية قد أصبح المصدر الرئيس للطاقة في اليابان، غير أن موجة الصدمة الانفجارية قد تهز هذا الوضع من أساسه.

تسببت حادثة مفاعل «ثري مايل آيلاند» في بنسلفانيا بالولايات المتحدة في ‬1979 في تلوث محدود بالمواد المشعة خارج محطة الطاقة، غير أن الانصهار الجزئي بقلب المفاعل حرك الرأي العام ضد توليد الطاقة النووية في الولايات المتحدة، ولم يتم بناء محطات طاقة نووية في أميركا منذ ذلك الحين.

لا بد للحكومة اليابانية من أن تدعم نظامها الخاص بمنع الحوادث في محطات الطاقة النووية، وإذا ارتكبت الحكومة أخطاء في التعامل مع هذه الحوادث، فإن استخدام محطات الطاقة النووية في اليابان وخارجها سيتعرض للخطر.

لقد تصاعد بصورة مطردة عدد الأشخاص الذين لقوا مصرعهم أو اعتبروا في عداد المفقودين، ولا يزال الكثير من الناس مجبرين على البقاء داخل المدارس أو فوق أسطح المباني، أو تحت الحطام في انتظار أن ينقذهم أحد.

لقد بدأ بالفعل رجال قوات الدفاع الذاتي والشرطة بمكافحة الحريق وعملية إنقاذ واسعة النطاق وعمليات إغاثة، وصرح رئيس الوزراء الياباني ناوتو كان بأنه سيحشد الكثير من رجال قوات الدفاع الذاتي على امتداد اليابان، وأعلنت حكومته عن إرسال ‬50 ألف رجل من عناصر قوة الدفاع الذاتي إلى المناطق لتي ضربها الزلزال وموجات المد العملاقة.

إن ما يريده من تم إخلاؤهم بعيدا عن الأماكن المتضررة يتمثل في المعلومات المتعلقة بأمان عائلاتهم وأصدقائهم، ونحن نود من رجال الشرطة ومن السلطات المركزية والمحلية أن يبذلوا قصارى جهدهم للم شمل الناس بأقرب وقت ممكن.

تعد هذه هي إحدى أخطر حالت الطوارئ منذ الحرب العالمية الثانية، ولا بد من حشد كل موارد اليابان في إطار جهود الإغاثة والإنقاذ من الكارثة.

ويتعين على الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة إقرار ميزانية تكميلية لمواجهة هذا الظرف الطارئ، بما في ذلك تحديد كيفية تأمين الأرصدة اللازمة لمواجهة الموقف. وينبغي على هذه الأحزاب تمرير الميزانية في البرلمان في أقرب وقت ممكن، ثم الالتفات إلى تنفيذ الإجراءات المقترحة لمواجهة هذا الموقف.