في مؤتمر صحافي طارئ عقد بعد يوم من الزلزال الهائل الذي ضرب شمال اليابان وموجات تسونامي التي أعقبته، أبلغ رئيس الوزراء الياباني ناوتو كان ـــ وقد بدا مجهداً وإن اعتصم بالهدوء ـــ أبلغ مواطنيه بأنهم قد واجهوا معاً تحدياً لم يسبق له مثيل، وأنه بينما تعد الأولوية الفورية لإنقاذ الأرواح، فإن اليابان يمكن ذات يوم أن تتطلع إلى الوراء نحو هذا الوقت، باعتباره لحظة ساعدت في إيجاد يابان جديدة.

من الصعب- فيما الأرض لا تزال ترتجف بهزات ما بعد الزلزال، وأعداد الضحايا تواصل التصاعد، ومخاطر انصهار مفاعلات فوكوشيما تغدو ممكنة على نحو مخيف- من الصعب التوصل إلى أي دروس حاسمة من إحدى أعظم الكوارث الطبيعية التي أصابت اليابان، فقد يستغرق الأمر شهورا إن لم يكن سنوات لكي يعاود الناجون التجمع ويبدأون من جديد، ولكن رئيس الوزراء الياباني كان محقا في الاعتقاد بأن هذا التحدي قد ينتزع استجابات لم يسبق لها مثيل من اليابانيين.

هناك ثلاثة تحولات ممكنة يمكن توقع حدوثها في اليابان:

‬1ـــ ربما لا تكون الكارثة قد أصابت الأرض وحدها وإنما المؤسسة السياسية كذلك، فقد جاءت في نهاية أسبوع مقيت بشكل خاص، فقبل أيام قلائل كان سيجي ميهارا وزير الخارجية الياباني قد قدم استقالته، وقيل إن ذلك يعود إلى تلقيه مبلغا صغيرا كتبرع سياسي من وافد أجنبي أقام طويلا في كيوتو، وكانت تفاهة الاتهام والطريقة التي طرح بها تؤثر سلبا بشدة على الروح المعنوية.

ومن هنا فإن خطورة الكارثة الطبيعية قد تعيد بعض التعقل للسياسيين وأجهزة الإعلام التي تتغذى على مثل هذه التفاهات، وحتى الآن ارتفع الجميع إلى مستوى المناسبة، ويسود في كل مكان مناخ من ضبط النفس، فيما الناس يتجمعون حول الجهد الذي تبذله الحكومة لمواجهة الكارثة.

‬2ـــ بينما توجد أماكن قليلة في العالم كان يمكن أن تقاوم كارثة بهذه القوة، فإن الحاجة ستكون ماسة إلى حوار وطني ياباني حول أفضل الطرق لتأمين ساحل اليابان في أوقات ارتفاع مستوى البحر وتغير المناخ.

ومع وجود الأغلبية الكبيرة من سكان اليابان على شريحة من الأرض تمتد على السواحل، فإنها تضم عددا كبيرا من المجتمعات المعرضة لخطر تسونامي، وهي كلمة يابانية مؤلفة من مقطعين، أولهما يعني ميناء، وثانيهما يعني موجة، وهي الموجات التي ضربت الساحل على امتداد الألفي عام الماضية بانتظام مخيف.

ويذكر في هذا الصدد أن تمثال بوذا الهائل في كاماكورا الذي يعود إلى القرن الثالث عشر، والموجود حاليا وسط أشجار قديمة وتلال ملتفة، كان في وقت من الأوقات داخل معبد قبل أن تكتسح موجة مد هائلة أسوار المعبد وتلفظها بعيدا.

إن سرعة تسونامي الأخيرة ونطاقها وعدم تركها وقتا للناس للاعتصام بأماكن آمنة، هو الذي كان مذهلا بالنسبة للكثيرين. ومع تغير المناخ فإن مثل هذه التهديدات للسواحل اليابانية ستتفاقم بالضرورة. ومع تراجع نطاق الجماعات الأصغر فإن من المحتم التعجيل بقرارات صعبة حول تخصيص الموارد اليابانية النادرة بين الأقاليم المختلفة.

‬3 ـــ أخيرا فإن اليابان ستحتاج إلى التعجيل كثيرا بجهودها المبذولة لتطوير التجديد في العلم والتكنولوجيا، مع تطبيقات عملية تتصدى لمخاوفها فيما يتعلق بالطاقة والبيئة. وفي واقع الأمر أن اليابان الفقيرة في مواردها لا يمكنها أن تفوتها انطلاقة ثورة الطاقة الخضراء.

ومن المؤكد أن أوراق اعتماد اليابان فيما يتعلق بقضية السلام وكرمها مع الدول الأخرى وقت الحاجة، وما يتمتع به شعبها من انضباط وهدوء وتماسك اجتماعي، كل ذلك سيضمن أن تحظى بتعاطف العالم في الأسابيع والشهور المؤلمة المقبلة. ومن المؤكد أن اليابانيين سينهضون إلى مستوى التحدي، فقد جعلتهم قرون من الكوارث الطبيعية يتعايشون مع قدر هائل من الهشاشة الطبيعية، ولكن هذا القبول بالطبيعة لم يترجم إلى استسلام، وإنما ترجم نفسه في الفنون والمهارات الحرفية والعمارة والشعر والحدائق وطقوس احتفال الشاي. وبقدر ما كانت الأرض غير مستقرة تحت أقدام اليابانيين، فإنهم قد وجدوا حشدا من الطرق للبناء على الأرض، وتقديرها والاحتفاء بها، ومن المؤكد أنهم سيفعلون ذلك من جديد.