تشتعل الثورة في بلادي، وقد حققت قدرا يعتد به من النجاح داخليا وخارجيا، وفي كل مرة يتم تحرير مدينة تقام مؤسسات انتقالية لإدارة الحياة اليومية والدفاع عن الحرية الناشئة. وتشارك فيما يجري عناصر منشقة عن النظام السابق متمثلة في صورة شخصيات سياسية وثقافية وعناصر تنتمي إلى عالم رجال الأعمال.
لم يعد علمنا لونا أخضر سابغا، وإنما العلم الذي نحمله الآن يضم الألوان الأحمر والأسود والأخضر، مع هلال ونجمة في الوسط، وهذه الألوان تذكرنا بالظلام والاستعمار الذين عانينا منهما في تاريخنا.
على امتداد عقود من الزمان عشنا في رعب، محاطين بالجواسيس والمرشدين ومعرضين لخطر السجن و«أو الاختفاء» في أي لحظة. ولم يكن بمقدور أحد التدخل لأجلنا فلم تكن هناك محاكم حقيقية ولا حقوق إنسان ولا شيء آخر.
كل شيء قبل هذه الثورة كان مكرسا لإثراء الطاغية وعائلته، كل شيء كان لصالحهم، الجيش، الشرطة، الماء، التعليم، الفنادق، المطاعم، العلم.
قبل 15 عاما قتل الطاغية وعناصره من المرتزقة في ليلة واحدة 1200 شخص في سجن أبو سالم بطرابلس حيث يحتجز المعتقلون السياسيون، وكومت الجثث في مقبرة جماعية مجهولة المكان، وقتل سجناء من جميع أرجاء ليبيا ومن كل الأعمار حتى دون الخضوع لمحاكمة رمزية، وكان أخي الوحيد من بينهم.
لقد كتبت عن هذه المذابح في روايتي الأولى والثانية والثالثة، ولم أكن الوحيد الذي لم يستطع النسيان، وكانت وحشية ذلك المساء الصيفي إحدى الشرارات التي أشعلت الثورة، حيث بدأت عائلات هؤلاء الضحايا الاحتجاجات الراهنة في بنغازي، وسرعان ما انضم إليهم شباب الثورة.
الآن وعلى الرغم من عنف النظام في كل مكان حولنا فإن المدن المحررة تتوهج بالفرحة فقد ذقنا طعم الحرية، واختفى الخوف والرعب والتوتر والعصبية الذي كان يهيمن على الليبيين، وتبددت الخلافات القديمة، والجميع يريد أن يساعد الآن من دون أن يتأثر بالمطر أو بالجوع.
لقد غيرت هذه الثورة الليبيين وجعلتنا نشعر أن هناك شيئا اسمه الحرية لا بد من تحقيقه، وأن المرء لا ينبغي أن يتمتع بها وحده على حساب سعادة الآخرين أو كدحهم أو حياتهم.
ليس لدي وقت إلا بالكاد للكتابة، فأنا أمضي أيامي وسط الحشود، وأود أن أعيش الثورة الآن لا أن أكتب عنها، فهي لا تزال وليدة لم تسمها الإضافات ولا العادات العمياء، إنها الثورة التي تحمل النكهة الليبية، وهي مزيج من البهار والملح والنور الذي يحمل عبق البركات المنهلة من قناديل الأولياء.
على امتداد سنوات طويلة لم ألتق بأصدقائي إلا عرضا في سوق الجمعة، أو في الجنازات وحفلات الزفاف والمناسبات الرياضية، أما الآن فإنني ألتقي الكثير من أصدقاء طفولتي في شوارع الثورة وزنقاتها.
لست أبغي الحديث عن المذابح التي اقترفها النظام في الأسابيع الأخيرة فالعالم كان يصغي لما يقال ويشاهد صور هذه الجرائم الوحشية، وإنما أريد الحديث عن الشعب الذي فاز والذي هزم الموت. لم يكن شهداء هذه الثورة شبابا من الرجال والنساء فحسب، وإنما كان هناك شهداء من كل الأعمار ومن كل مستويات التعليم ومن كل الطبقات الاجتماعية، فقد نهضت ليبيا بأسرها.
إننا لا نقلد أحدا ولكن علينا أن نقر بأننا قد ألهمتنا الثورتان في تونس ومصر، ولا يمكننا أن نكون سعداء طالما وجد الطغاة. كيف يمكننا أن نزور التونسيين والمصريين إلا إذا رفعنا رؤوسنا عاليا كرؤوسهم وكرؤوس كل أحرار الدنيا؟
لقد صبر الليبيون طويلا ولكن صبرنا لم يكن جبنا فقد انتظرنا لحظة الإلهام الحق، والآن وقد جاءت فقد حققنا هدفنا من بسالة واندفاع أدهش العالم.
إن ثورتنا هي ثورة الشعب، الشعب الذي لم يعد يطيق عفن الطاغية، والذي لم يعد يقبل الفتات، فقد وصل الضغط إلى ذروته، وهكذا سار الشعب وأعلن رغبته في أن يعيش حياة أفضل.
إن شعوب العالم بأسره تقف إلى جانبنا، وحتى قبل أن نحظى بدعمها فقد حصلنا على احترامها للثورة التي لم يشبها النهب ولا الفوضى، وهدفنا واضح وهو إسقاط النظام الفاشي الذي جعلنا أمة لا تلقى الترحيب من العالم.
لسوف نحول ليبيا إلى منارة للحضارة والعلم والثقافة، وسنحيا في ظل حكم الجدارة حيث يحصل كل منا على الموقع الذي يستحقه، بغض النظر عن الأيديولوجية أو القبيلة، وسنعمل بأقصى قدر من الشفافية، وسنجعل العالم يثق بنا ويساعدنا والجميع في ليبيا مقتنع بأن حريتها قد تم اكتسابها بالفعل وأن علينا الآن أن نعمل من أجل سلامتها، والثورة الآن تحتاج إلى الموهبة لا إلى الولاء.
الشعب الليبي الآن إخوة للإنسانية ويمكننا أن نتحدث بحرية مع أولئك الذين تقنا إلى لقائهم في العالم العربي وفي غيره من بلاد العالم، ويمكننا أن نعانقهم بلا خوف. لقد كانت حياتنا كليبيين حافلة بالمشكلات وأولئك الذين أتاح لهم الحظ السفر فقد جوبهوا في كل مكان بأصابع الاتهام المشهرة في وجوههم حيال اختفاء الإمام موسى الصدر خلال رحلة إلى ليبيا في 1978، حيال لوكيربي في 1988، وحيال إسقاط طائرة ركاب فرنسية فوق النيجر في 1989.
ولكن الآن أوضحنا للعالم أن اللوم عن هذه الأعمال لا يقع على عاتق الشعب الليبي وإنما يقع على كاهل دكتاتورية وحشية.
