يضغط عدد كبير من الأشخاص على امتداد الطيف السياسي الأميركي، بمن في ذلك بعض أعضاء إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، على الرئيس الأميركي للتدخل عسكريا في ليبيا، وقد تركز جانب كبير من التعليق على الموقف هناك على إنشاء منطقة حظر طيران فوق ليبيا، لكن تعددت في الوقت نفسه النداءات لفرض منطقة حظر دخول إلى ليبيا، وأيضا الدعوة إلى تسليح أو مساعدة خصوم النظام الليبي.

ومن يقفون وراء هذه الدعوات يستندون إلى مزيج من الأخلاق والواقع السياسي، وهم يذهبون إلى القول أن أميركا بتدخلها في ليبيا سوف تحول دون ذبح الأبرياء، وفي الوقت نفسه تظهر استعدادها للتعبير عن تأييدها للحرية والأمن.

وكان وزير الدفاع الأميركي قد تبنى الموقف المضاد لذلك، حيث أشار في شهادة له أمام الكونغرس إلى أن الخطوة الأولى في إنشاء منطقة حظر جوية فوق ليبيا، تكفل الحيلولة دون تحليق الطائرات والهليكوبترات الليبية، تتمثل بالقضاء على الدفاعات الجوية الليبية التي يمكن أن تهدد بالخطر الطائرات الأميركية أو الحليفة، وهذا سيتطلب الهجوم على أهداف مختارة، وبتعبير آخر فإن إنشاء منطقة حظر جوي فوق ليبيا سيعني الذهاب إلى الحرب.

وقد كان غيتس ولا يزال محقا في تذكير الناس بما يعنيه فرض منطقة حظر جوي بالفعل، ولكن الأسباب الكامنة وراء الحكمة في إنشاء مثل هذه المنطقة أو القيام بعمل عسكري آخر تتجاوز هذه التحذيرات كثيرا.

وابتداء ليس هناك سبب يدعو للاعتقاد بأن منطقة الحظر الجوي ستكون حاسمة، وفي حقيقة الأمر فإن لدينا كل الأسباب التي تدعونا للاعتقاد بأنها لن تكون كذلك، وذلك في ضوء أن الطائرات المقاتلة وطائرات الهليوكوبتر لا تحتل مرتبة محورية في الميزات العسكرية التي يتمتع بها النظام الليبي، فالنظام يمكنه أن يهزم المعارضة دون اللجوء إلى القصف بالطائرات والهليكوبترات، وذلك من خلال استغلال المزايا التي يتمتع بها فيما يتعلق بالقوات البرية والأسلحة الخفيفة.

ماذا عن الخطوات العسكرية الأولى التي يمكن لمن هم خارج ليبيا القيام بها؟ إن فرض منطقة حظر الدخول، تستهدف الحد من قدرة الحكومة الليبية على استخدام الدبابات وناقلات الجنود المدرعة، ستقتضي استخدام قوة عسكرية أكبر بكثير من تلك التي تقتضيها منطقة الحظر الجوي، وحتى إذا تم تنفيذها فإنه ما من عدد من الطائرات الغربية التي تقوم بالدوريات يمكن أن يوقف كل تحركات المركبات الحربية، والطريقة الوحيدة لضمان توازن ميدان المعركة هو نشر مدربين ومستشارين وقوات خاصة على الأرض.

هناك أسباب سياسية للتساؤل عن الحكمة في تحول الولايات المتحدة إلى داعية للحرب الأهلية الليبية. إن الإقرار بأن القذافي طاغية لا يرحم هو أمر يستند إلى ما قام به بالفعل، ولكن مثل هذا الإقرار لا يكرس الصدق الديمقراطي لمن يعارضونه، وحتى إذا كان بعض من يعارضونه هم ديمقراطيون حقيقيون فليس هناك من سبب لافتراض أن مساعدتهم على إزاحة النظام ستسفر عن صعود أناس ينتمون إلى هذه النوعية إلى سدة السلطة.

الأمر على النقيض من ذلك، فتنحية القذافي ومن يحيطون به يمكن بسهولة أن تطلق سلسلة من الأحداث يسيطر في إطارها رجل قوية مختلف يحظى بدعم قبيلة أخرى على مقاليد الأمور، أو قد تؤدي إلى إيجاد موقف تكون اليد العليا فيه لعناصر إسلامية متطرفة، وفي أي من الحالتين، فإن مناطق يعتد بها من ليبيا ستكون بعيدة عن سيطرة الحكومة، الأمر الذي قد يوجد فراغا قابلا للاستغلال من جانب تنظيم القاعدة أو جماعة مماثلة له. هناك الكثير من الأسباب التي تدعو إلى تجنب جعل ليبيا مركزا للاهتمامات في المنطقة، فليبيا هي أبعد ما تكون عن تشكيل الدولة الأكثر أهمية في الشرق الأوسط، سواء من ناحية النفوذ السياسي أو تأثيرها على سوق النفط. وسيكون صانعو السياسات الأميركيون أكثر حكمة إذا ركزوا على ما يمكنهم القيام به برؤية التحول في مصر يمضي بسلاسة، وأن تظل دول عربية أخرى متمتعة بالاستقلال.

إن القول إن المصالح الأميركية في ليبيا أقل من أن توصف بأنها حيوية لا يعني الذهاب إلى اقتراح عدم القيام بأي شيء، وإنما يعني التأكد أن التحركات التي ستقوم بها الولايات المتحدة متناسبة مع المخاطر، وفي حالة ليبيا فسوف يكون من المناسب تجميد الأرصدة، وفرض الحظر على الأسلحة، والتهديد بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب، وإقامة مناطق إنسانية آمنة داخل البلاد أو عبر الحدود مباشرة.

وفي ظل هذه المجموعة من السياسات فإن القذافي يمكن أن يصمد في مواجهة التحدي الحالي فالأنظمة التي تكون في حالة استعداد وتتمتع بالقدرة على مهاجمة المعارضين المحليين، غالبا ما يقدر لها الصمود، ولكن بمضي الوقت فإن مثل هذه السياسات ستضعف النظام بينما تقوي المعارضة.

إن مثل هذا المنهاج لن يكون كافيا لبعض الوقت ولكنه يتمتع بميزة كونه متوافقا مع نطاق المصالح الأميركية في ليبيا، وما يمكن على صعيد واقعي القيام به لخدمة هذه المصالح.