يعد إيجاد أجهزة علمية متعددة، والقيام بعمليات قتل جماعية للخصوم، وتنفيذ عمليات تعذيب واسعة النطاق، وفرض رقابة صارمة، وممارسة القمع بضراوة، من التكتيكات المشتركة بين الأنظمة في تونس ومصر ما قبل الثورة، والنظام الليبي وغيرها من أنظمة الحكم الفردي العربية. وقد حاولت بعض هذه الأنظمة اللجوء إلى إصلاحات تجميلية، بما في ذلك إطلاق سراح بعض الأسرى السياسيين، ولكنها بالطبع أحجمت عن اتخاذ خطوات محددة تفضي إلى حكومة تتسم بالشفافية والقابلية للمحاسبة، وخاصة فيما يتعلق بالإنفاق العام والتحقيق في الجرائم الخطيرة، فمثل هذه الخطوات كانت شيئا يتجاوز الخيال، ولا تزال كذلك في العديد من الدول في أرجاء العالم العربي.

وفي ضوء موجة الانتفاضات الأخيرة في العالم العربي، فإن من الجلي أكثر من أي وقت مضى أن أي مبادرات إصلاحية تم القيام بها في العالم العربي في السابق لم تكن تستهدف إلا التخفيف من الطابع القمعي للأنظمة وتجنب العقاب على الممارسات الوحشية ضد الشعوب. ولم يسفر النقاش حول الإصلاح في داخل هذه الأنظمة إلا عن صراع بين الفروع المختلفة من الأجهزة الأمنية والعسكرية حول أفضل وسيلة ممكنة للحفاظ على الأمر الواقع.

وقد عرف العرب بالطبع على امتداد سنوات طويلة أن بعض حكامهم يتجاوز أي قابلية للإصلاح، وهذا هو السر في أن الكثير منهم اليوم يبادر من أجل الحصول على فرصة للحاق بباقي العالم الحر والمتطور، وذلك بالمخاطرة بحياتهم بتنحية هذه الأنظمة جانبا. وما يحدث في العالم العربي اليوم، وفي واقع الأمر، هو صناعة تاريخ من خلال كتابة سطوره بالدم والعرق والدموع.