دعنا نتخيل مصر تعارض على نحو دائب الغرب في المحافل الدولية بينما تشن بلا هوادة حملات ضد إسرائيل. دعنا نتصور حكومة تغذي أجهزة إعلامها بمواد معادية للسامية وتضع العلاقات مع إسرائيل في ثلاجة باردة، وتدرج على الرفض العلني للتدخل في شؤونها من قبل الولايات المتحدة. دعنا نتخيل نظاما يسمح لحماس باستيراد أطنان من الذخيرة والصواريخ إلى قطاع غزة.

تلك الحكومة ربما تكون حكومة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، وهو الرئيس نفسه الذي دعمته الولايات المتحدة بمساعدات تبلغ عشرات المليارات من الدولارات، على حساب تشويه صورة أميركا بين الديمقراطيين وإحباط الجيل الشاب على امتداد الشرق الأوسط. وإذا أنجزت مصر الآن توولا إلى ديمقراطية أصيلة فإن سياستها الخارجية لن تصبح أفضل كثيرا من وجهة نظر واشنطن، ولكنها من غير المحتمل أن تغدو أسوأ.

وفي حقيقة الأمر فإن الخاطرة الكئيبة التي تدور حول سيطرة إسلامية على الوضع في مصر أو فقدان النفوذ الأميركي فيها تتجاهل الجوانب الإيجابية الأكثر احتمالا لثورة مصر، فكما حدث في آسيا وأميركا اللاتينية بعد التحولات الديمقراطية، فإن الولايات المتحدة ستكسب أكثر مما تخسر من انتشار الحرية في الشرق الأوسط، وفي نهاي المطاف فإن الفوائد قد تكون هائلة.

ستكون الفائدة الأولى هي فضح خديعة عمرها ‬30 عاما قام بها نظام مبارك. وقد تمثلت هذه الخديعة في المفهوم القائل بأن المساعدة العسكرية الأميركية غير المشروطة، والتسامح مع حكم الفرد، هما الثمن الذي لا مفر منه لإبقاء مصر على معاهدة السلام مع إسرائيل، ودعمها لعملية السلام في الشرق الأوسط.

والواقع أن مبارك قد أبقى على سلام بارد على نحو ملحوظ مع إسرائيل، التي زارها مرة واحدة في غضون ‬29 عاما لأن ذلك كان في صالح مصر.

والحكومة الديمقراطية في مصر قد لا تكون صديقة لإسرائيل، ولكنها لن تلغي بالضرورة معاهدة السلام معها.

وستتمثل فائدة أخرى لواشنطن من مصر ديمقراطية بأنه سينتهي العهد الذي تلوم فيه أجهزة الإعلام العربية وجانب كبير من الرأي العام العربي الإدارات الأميركية على التعذيب والرقابة وأشكال القمع الأخرى، فالربط بين واشنطن وبين أشكال القمع هذه فجر نزعة عداء لأميركا في المنطقة، وفي الوقت نفسه شكل حافزا للعديد من الجماعات والشخصيات المتطرفة على امتداد الشرق الأوسط وخارجه أيضا.

كانت الولايات المتحدة عادة تتعرض للتشويه بفعل جرائم ارتكبتها الأنظمة الدكتاتورية في البرازيل، إندونيسيا، كوريا الجنوبية وتركيا أيضا. والآن فإن هذه البلاد كلها باعتبارها بلادا ديمقراطية تحترم في غالب الأحوال حقوق الإنسان ولا تزال تربطها علاقات ودية مع الولايات المتحدة، وقلائل هم الذين يلومون واشنطن على سياسات هذه الدول، وفي بعض الأحيان يتعذر العمل مع هذه الدول، وفي البعض الآخر فإنها تصوت بطريقة خاطئة في مجلس الأمن الدولي، ولكنها تشارك الولايات المتحدة قيمها وتعادي الإرهاب، ومصر الديمقراطية يحتمل بشكل أكبر أن تحذو حذو هذه الدول.

هذا يمضي بنا إلى الخاسرين الكبار في غمار التحول الذي تشهده مصر الآن. هذا التحول من شأنه أن يكون بمثابة إسدال ستار النهاية على نموذج الحكومة العربية التي تستند إلى وطنية الحكم الفرد، وذلك بعد ‬60 عاما من انطلاق ثورة ‬1952 في القاهرة. والمرء لا يملك إلا التساؤل عن المدى الزمني الذي يمكن أن تصمد خلاله أنظمة عربية من هذا النوع في عالم عربي ديمقراطي.

يساور البعض في واشنطن شعور بالقلق من أن مصر قد تتبع مسارا آخر مختلفا سبق أن اتبعته ثورات أخرى غير المسار الديمقراطي، وهناك بالطبع احتمل لحدوث هذا، وفي بعض الأحيان، وكما رأينا على امتداد التاريخ، تتعرض الثورات للاختطاف والتردي إلى النظام السلطوي، وهذا ممكن أيضا والدليل عل ذلك ما نشهده في أوكرانيا بعد ‬7 سنوات من اندلاع الثورة البرتقالية. ولكن تاريخ الشرق الأوسط والعالم يشير إلى أن المد سينطلق في الاتجاه الآخر، ومصر الديمقراطية ستتحول منطقتها عاجلا أم آجلا، والولايات المتحدة ستكون مستفيدة من هذا التحول.