أجرت شبكة «بريس تي في» حوارا مع المفكر الأميركي نعوم تشومسكي أدان فيه بشدة الممارسات الوحشية للنظام الليبي ضد أبناء شعبه، ودعا فيه إلى مواقف دولية أكثر تضامنا مع الشعب الليبي وأعظم تأثيرا في مسيرته المقبلة. وأشار إلى أن الانتفاضات التي يشهدها الشرق الأوسط ليست وليدة اليوم، وإنما هي استمرار لنضالات ممتدة لشعوب المنطقة. وحذر من أن البعض يفهم استقرار المنطقة على أنه يعني خضوعها لهيمنة الولايات المتحدة، مؤكدا أن استقرار المنطقة يجب أن يفسر بما فيه صالح شعوبها.
هل تعتقد أن المسؤولين في الدول الغربية والمنظمات الدولية قد قالوا وفعلوا ما فيه الكفاية للاستجابة لاحتياجات الشعب الليبي في الظروف العصيبة التي يواجهها؟
أعتقد أن المزيد يمكن القيام به في هذا الصدد، فما يجري فظيع حقا ويمكن أن يفضي إلى المزيد من سفك الدماء، وعلى الرغم من محدودية المعلومات المتوافرة عما يجري حقا في ليبيا فإن الوضع في طرابلس شديد الخطورة، ويمكن القيام بمزيد من الجهود بتقديم المساعدة والحماية لليبيين الذي نجحوا في تحرير المناطق التي يقيمون بها، غير أنه لا أحد يريد تدخلا غربيا في ليبيا، فهذا لن يكون خطأ فحسب وإنما سيكون أمرا كارثيا، ولكن التحرك يمكن أن يكون من خلال الأمم المتحدة.
عندما اندلعت الثورة في مصر قمت بالاشتراك مع العديد من الأكاديميين الأميركيين بتوجيه خطاب مفتوح إلى الرئيس أوباما تحثونه فيه على الالتفات إلى إرادة الشعب المصري فهل هناك توجه من هذا النوع للتحرك إزاء ما يجري في ليبيا؟
لقد صدرت بيانات قوية بالفعل من مصادر عديدة في أميركا، مثل الحملة من أجل السلام والديمقراطية في نيويورك، ولكن الوضع في ليبيا مختلف عنه في مصر، وعلينا أن نتذكر أن الولايات المتحدة واصلت في حقيقة الأمر دعمها للرئيس المصري السابق حسني مبارك، ومن هنا جاءت أهمية دعوتنا إلى التوقف عن المساندة الأمريكية له وتقديم الدعم للشعب المصري أما ليبيا فهي أمر مختلف.
ليبيا مهمة بصفة خاصة عندما يتعلق الأمر بعامل النفط للأهمية الشديدة بالنسبة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فكيف سيؤثر النفط في الموقف، وما هي توقعاتكم لما سيجري في ليبيا؟
هناك سبب لهذا الاهتمام الكبير فيما يتعلق بالانتفاضة الديمقراطية في العالم العربي على نحو يفوق بكثير ما يمكن أن يحدث على سبيل المثال في إفريقيا بجنوب الصحراء، فالعالم العربي توجد فيه مصادر الطاقة العالمية الكبرى، وهناك سبب وجيه يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى التحرك للحيلولة دون تطور ديموقراطية حقيقية في العالم العربي، ويجب أن نتذكر هنا الدراسات العديدة حول الرأي العام العربي، وهي دراسات معروفة ولكن لا يتم نشرها وإن كان صناع القرار في الغرب يعرفونها جيدا، وبالنسبة للرأي العام العربي فإن التهديد الكبير مصدره الولايات المتحدة وإسرائيل، والأرقام أكثر وضوحا في هذا الصدد في مصر منها في أي دولة أخرى.
هناك كثير من الحديث عما فجر بالفعل حركة هذه الثورات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويتساءل الكثيرون لماذا يحدث هذا الآن في ضوء أن هذه الشعوب عانت على امتداد سنين طويلة في ظل حكم هؤلاء الطغاة؟
في المقام الأول فإن الأمر ليس وليد اليوم، خذ مصر، على سبيل المثال، فقد كانت هناك سلاسل ممتدة من النضال العمالي على امتداد سنوات طويلة، وكانت الشرارة المباشرة لثورة 25 يناير هي حركة السادس من إبريل، التي تضم شبابا من الناشطين ولكنهم استمدوا اسم حركتهم من إضراب كبير كان يفترض أن يتم في 6 إبريل 2008 ولكن الحكومة سحقته، وهو ليس إلا واحدا من سلاسل من النضالات التي استمرت على مدى سنوات، وفي حقيقة الأمر فإن ثورة 25 يناير تلقت دعما هائلا عندما انضمت إليها الحركة العمالية المصرية بعد ذلك بأيام قلائل ، وهكذا فإن هناك خلفية لما يجري، ولا يقتصر ذلك على مصر، فحسب، فالشيء نفسه موجود في أماكن أخرى حيث كان هناك غياب لوقت طويل والأمر يقتضي شرارة لكي تشتعل النار.
قال مفكرون آخرون مثل هنري كيسنجر إن الولايات المتحدة ستحتاج إلى الاختيار بين الديمقراطية والاستقرار في المنطقة، وعندما اندلعت الثورة المصرية أبدت إسرائيل انزعاجها من أن الديمقراطية ستنشأ في العديد من أرجاء المنطقة، فلماذا نجد أن من الصعب على الولايات المتحدة أن تتقبل وجود الاستقرار والديمقراطية معا في المنطقة؟
يتعين علي أن تتذكر أن الاستقرار كلمة رمزية باردة فالاستقرار في حقيقة الأمر لا يعني الاستقرار وإنما يعني الخضوع للهيمنة الأميركية. ودعنا نبادر بالعودة إلى كيسنجر وقد لعب دورا بارزا ضمن أمور أخرى في تقويض النظام الديمقراطي في تشيلي، وفي وقت لاحق عقب على ذلك بقوله: «اضطرت الولايات المتحدة إلى الإخلال باستقرار تشيلي لكي تكرس الاستقرار هناك».
وإذا فهمت جوهر هذا الاصطلاح فإن هذا ليس تناقضا وإنما هو يعني أن الولايات المتحدة قوضت من خلال مبادرة كيسنجر الحكومة البرلمانية في تشيلي لكي تكرس ديكتاتورية تخضع لهيمنتها هناك، وهذا هو ما يقصده كيسنجر بالاستقرار، وهو لا يعني الهدوء وسير الأمور قدما، وإنما يقصد أن كل شيء تحت السيطرة وهذا بالطبع يتناقض مع الديمقراطية.
