عندما شاهد الملايين خطاب الرئيس الليبي معمر القذافي عبر أجهزة التلفزيون لا بد أنهم قد خطر لهم خاطر يؤكد التشابه الكبير بين الطغاة، فهذا الخطاب كان يمكن أن يلقيه هتلر أو موسوليني، حيث اتسم بالافتقار إلى التماسك، والمراوحة بين التحدي والترحيب بالموت، بل هناك عناصر كثيرة أخرى مشتركة، منها القبضة المتشنجة والتلويح بالذراع بكاملها كما لو كان يهوي بفأس، فتلك كلها كانت شبيهة بما بدا عليه هتلر وموسوليني في أيامهما الأخيرة. ومع ذلك فهناك من يقول لنا بأن هذه ظاهرة مختلفة تماما، ولا يتردد البعض في الإشارة إلى أن الإطاحة بهذا الدكتاتور على يد أبناء شعبه هي خطوة ينبغي وفقا للفلسفة السياسية العربية الرسمية نفسها أن تكون معجزة مباركة، لكنها في حقيقة الأمر موضع شك عميق. لماذا ؟ لأن نظام القذافي خلافا لهتلر وموسوليني لا يحتمل أن تحل محله حكومة عادلة وقابلة للمساءلة. ويقول بعض من يدعمون هذه الحجة إن الشعب الليبي لا يمكن أن يتوقع أن يملأ الفراغ الذي سيتركه سقوط الطغيان من خلال التقدم المنظم نحو الحرية والعدل للجميع. وما يطرحه البعض في هذا الصدد هو بعيد كل البعد عن حقائق الأمور ويستند إلى المفهوم الخاطئ القائل بأن العرب ليسوا قادرين على الانطلاق بالديمقراطية، وأنهم أكثر تخلفا وفسادا وانغماسا في الولاءات الجانبية من أن ينطلقوا بالديمقراطية قدما، وأن أفضل ما يمكن للغرب أن يعلق الآمال عليه هو أن الفوضى الراهنة ستنتهي بطغيان أقل شراسة يحل محل الطغيان السابق، لنستأنف معه أنشطة أعمالنا. وفي مواجهة هذا كله فإن علينا نحن في الغرب أن نقرر ما إذا كنا سنبتلع هذه الأفكار الخاطئة ونتحرك وفقا لها ونترك العرب غارقين في القرون الوسطى أو أننا سنقدم المساعدة النشطة للشعوب العربية التي تريد الانخراط في المسيرة الطويلة والصعبة نحو الحرية والديمقراطية.