هناك وقت للحديث ووقت للاستماع، وبعد القيام بزيارة مصر وتونس، أخيرا، فإنني مقتنعة بأن أفضل شيء يمكننا القيام به هو الاستماع. فما يهم الآن وما يقوله شعب مصر هو نوعية الإصلاحات التي يسعى إليها شعب تونس.

وفي عصر الاتصال الفوري فإن ما يميل إليه الفرد دوما هو الرد على الفور، أي الحديث كثيرا والاستماع قليلا، وقد ذهبت إلى تونس حيث التقيت بجماعات لم يسمح لها قبل بالوجود في قاعة واحدة معي. كما ذهبت إلى القاهرة حيث التقيت شباب ميدان التحرير.

كان هدفي هو الاستماع وهذا هو ما سمعته: «هذه بلادنا وثورتنا ونحن نريد تغييرا حقيقيا، وأن يدرك النظام أهمية التغيير». وأيضا: «هذه هي البداية ونحن بحاجة إلى وقت لإجراء التغير بالشكل الصحيح». وكذلك: «إننا نريد العون، نريد ضمان إجراء أول انتخاب حقيقي للحاكم، ولكن ما نريده أكثر من ذلك هو الديمقراطية الحقيقية وليس فقط الديمقراطية في اليوم الذي ندلي بأصواتنا خلاله، وإنما أيضا الأسابيع والشهور التي تعقب ذلك أيضا». وأيضا: «إننا نريد فرص العمل والفرص الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وعندئذ فحسب يمكنا أن نكون أحرارا حقا».

إن الاستماع بالطبع لا يعني استبعاد الحاجة إلى المساعدة السريعة للدول التي بدأت رحلتها إلى الديمقراطية ، والاتحاد الأوروبي سيدعو التحول الذي يجري الآن، مثل إعادة السياحة وتقديم أموال إضافية للبرامج ذات التأثير السريع والطرق والمدارس والطاقة بحيث يشعر الناس أن التغيير حقيقي.

وبعض الناس يتساءلون عما إذا كان يتعين علينا أن نتحرك بشكل أسرع من هذا، وأن نعارض الأنظمة الدكتاتورية بدلا من التعاون معها، وهذا سؤال منصف وليس هناك حل سهل للمعضلة المتعلقة بمتى وكيف نتواصل مع مثل هذه الأنظمة، ومتى وكيف نعزلها. وعلى امتداد عقود من الزمن كانت القاعدة العامة هي عزل الأنظمة التي تتحدى المجتمع الدولي بطرق محددة، وقد فرض الاتحاد الأوروبي جنبا إلى جنب مع معظم العالم العقوبات على دول مثل كوريا الشمالية للحيلولة دون انتشار الأسلحة النووية.

ومن ناحية أخرى كان من الممارسات المألوفة الإبقاء على العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع البلاد التي قد نكره نظام الحكم فيها، وذلك بهدف تشجيعها على مر الزمن على أن تغير سلوكها.

وفي حالة ليبيا فقد تمت إعادة نظام العقيد القذافي إلى المجتمع الدولي عندما تخلى من بين أمور أخرى عن سعيه لأسلحة الدمار الشامل. هل كان يمكن إسقاط القذافي قبل سنوات مضت لو أننا لم نقدم له جزرة التجارة والاستثمار مقابل هذه التنازلات؟ ربما، ولكنني لست مقتنعة بأن العالم كان يمكن أن يكون مكانا أفضل وأن الشعب الليبي كان يمكن أن يكون في وضعية أفضل لو أن الغرب رفض التفاوض مع القذافي، ولا بد لنا من إعادة النظر في موقفنا عندما تتغير الظروف. ومن هنا فإن سلوكه الوحشي أخيرا يقتضي أن نعيد فرض العزلة عليه مجددا.

إن لدينا الخبرة لمساعدة كل دولة تطلب منا مساعدتها في إنجاز رحلتها إلى الديمقراطية لأن عشر دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي قد قطعت هذه الرحلة على وجه الدقة في العشرين عاما الأخيرة.

غير أننا إذا فعلنا ذلك خلال انتباه أجهزة الإعلام العالمية فقط فإننا سنفشل، فالاتحاد الأوروبي ينبغي أن يمضي طويلا في هذا الشأن، ونحن مصممون على مساعدة تونس ومصر والدول الأخرى لبدء رحلتها إلى الديمقراطية.

وبالنسبة لي فإنه ما من شيء أكثر إثارة للانفعال من رؤية ديمقراطية جديدة تنهض، ولكنني لن يكون لدي ما أشكو منه إذا مضت الأمور على نحو هادئ، بحيث أن أجهزة الإعلام العالمية ستشعر بالضجر لدى حرمانها من دراما الصراع والكارثة.