الثورات تطورات حافلة بالاضطراب فهي لا تتبع المنطق السهل للكتب الدراسية المقررة، وعلى سبيل المثال فإن الاشتباكات في الثورة الأميركية اندلعت قبل عام كامل من إصدار إعلان الاستقلال والدستور الأميركي لم يتم التصديق عليه إلا بعد قرابة ‬7 سنوات من المعركة الحاسمة التي نشبت في يوركتاون. وفي غضون عامين انطلاقا من ‬1964 انتقلت البرتغال من الفاشية الجديدة إلى حكم الجيش، إلى شيء يشبه انقلابا شيوعيا، ثم إلى الديمقراطية الليبرالية التي استقرت عندها في نهاية المطاف. والفلبين تخلصت من فرديناند ماركوس في ‬1986، ولكنها لا تزال تتلمس طريقها نحو نظام للحكم يتسم بالفعالية والديمقراطية.

وفي ‬10 أسابيع بعد بدء التظاهرات في تونس غدا الاضطراب في العالم العربي مجسدا، حيث رأينا انتقالا سريعا وسلميا نسبيا للسلطة في تونس، وكانت هناك مواجهة دامت ‬18 يوما بين المحتجين سلميا والمقاومة المتباعدة من قبل النظام. وأعقب ذلك رحيل الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن السلطة، ثم اندلاع العنف الذي يقترب من الحرب الأهلية في ليبيا. وهذا التوصيف للشتاء الديمقراطي في العالم العربي لا يشمل الاحتجاجات التي اندلعت في أماكن أخرى بما في ذلك الاحتجاجات في اليمن، فما الذي يمكن للغير أن يتعلمه من ثورات المنطقة ومن الثورات التي سبقتها؟

أولا: التزويد، التزويد، والتزويد. يقول يوجين روغان مدير مركز الشرق الأوسط في أنطوني كوليج بجامعة أكسفورد إن الكلمة الرئيسية فيما يتعلق بالتفكير فيما يجري في الشرق الأوسط اليوم هي «التزويد». فالأنظمة على امتداد المنطقة وجدت نفسها أمام مطالبات من قبل سكان يتزايدون بسرعة، ويتألفون من شبان يتزايد غضبهم حيال الأنظمة، ويتعاظم اتصالهم بالعالم الخارجي عن طريق التكنولوجيا.

وبالتالي فإنهم قادرون على قياس وضعهم مقابل الأوضاع السائدة في مناطق أخرى ــ هذه الأنظمة لم تفعل ما فيه الكفاية لتزويد السكان بما يكفي من الوظائف، التعليم، الإسكان والكرامة. ويقول روغان في هذا الصدد: «إن عدم القيام بتزويد السكان بهذه المتطلبات هو المصدر البارز للتوتر».

كانت أكثر الهتافات شيوعا في الثورات العربية هي عبارة «الشعب يريد إسقاط النظام»، ولكن بينما يشترك الساعون إلى الإصلاح في العالم العربي في الكثير من المظالم والأهداف فإن بينهم خلافات أيضا، فالمنطقة الممتدة من الأطلسي إلى المحيط الهندي ليست متجانسة، فمصر تضم ما يزيد على ‬80 مليون نسمة، بينما يبلغ عدد سكان البحرين مليون نسمة، وبعض الدول مثل ليبيا لديها احتياطات نفط وغاز وفيرة، بينما أخرى مثل اليمن لديها ثروة محدودة من الطاقة.

ثانيا: ليس هناك مكانان يجمعهما التشابه. ليست هناك ثورة تشكل نموذجا مطابقا بالنسبة لثورة أخرى، فكل بلد في الشرق الأوسط شكـّله تاريخه من الحكم الاستعماري، فالمغرب والجزائر وتونس فرانكوفونية، وليبيا تربطها علاقات جيدة بإيطاليا التي كانت تحتلها في السابق. ومصر تتلقى قدرا كبيرا من المساعدات الأميركية، وقادة قواتها المسلحة تربطهم صلات وثيقة بنظرائهم في البنتاغون. وهذا التركيب يعطي المصالح الأميركية وضعية في مصر لا تحظى بها في العديد من الدول الأخرى في المنطقة.

ومع اندلاع الثورات فإن الذكريات ومشاعر الغضب والتفرقات الاجتماعية الخاصة بكل بلد سوف تشكل النتيجة، وعلى سبيل المثال فإن مصر التي كانت على امتداد فترة طويلة القائد الطبيعي للعالم العربي قد تعرضت لتراجع مكانتها، والكثير من المصريين يريدون بلا شك أن تسترد بلادهم مكانتها، وأن تستعيد ديناميكيتها الثقافية والسياسية التي كانت لها في السابق.

ثالثا: الصبر فضيلة. في ضوء تنوع الظروف الاجتماعية والاقتصادية في العالم العربي والانتقال السريع من الوجوه الباسمة في تونس إلى العنف الوحشي في ليبيا فإن هناك ميلا طبيعيا إلى التخوف من أسوأ العواقب، ومن امتداد عدم الاستقرار سنوات طويلة في المنطقة، وهو عدم استقرار يمكن أن ينتقل عبر الحدود في الشرق الأوسط، وبالتالي فإن النصيحة الحكيمة هي الصبر حيال ما يجري.

رابعا: المؤسسات مهمة حقا في الشرق الأوسط على وجه الدقة بسبب طبيعة التحول الثوري، فالشبان الذين دفعوا التغير قدما ربما كانوا منظمين وشجعانا، ولكن الحشد في التحرير لا يمكنه أن يحكم مصر، وكذلك لا يمكن أن تحكمها صفحة في الـ«فيسبوك» أو حساب في «تويتر».

وبالتالي فإن الحاجة ماسة إلى المزيد. وعلى الرغم من أن حكم الفرد قد أثقل طويلا على مصر وتونس إلا أنهما لهما برلمانات وأحزاب سياسية وقضاة ومحامون ونقابات وصحافة يرغب كتابها في القيام بما تقوم به الصحافة الحرة في أي مكان آخر، وكل هذا يدفع باتجاه بناء أنظمة حكم تجمع بين الفعالية والقابلية للمحاسبة من قبل الشعب، وبالمقابل فإن ليبيا واليمن أبعد ما تكونان عن هذا.

خامسا: دعهم يقومون بالأمر بأنفسهم. عندما يحدث التغيير في مناطق عسيرة من العالم فمن السهل على من يقيمون في مناطق أسعد حالا مثل الولايات المتحدة وأوروبا أن يتساءلوا عما يمكنهم فعله للمساعدة، ومن المؤكد أنه يمكنهم المساعدة، وربما يمكن لأوروبا القيام بذلك أكثر مما تستطيعه الولايات المتحدة.