دفع الانتشار الملحوظ للثورات العربية في شمال إفريقيا الكثير من المراقبين إلى تصوير الانتفاضة الليبية باعتبارها انتفاضة انطلقت من عناصر مشابهة للعناصر التي وقفت وراء الثورة في تونس ومصر، وهناك فروق أكثر مما هنالك من أوجه الشبه، صحيح أن معظم الليبيين هم ممن تقل أعمارهم عن 30 عاماً، وأن البطالة في صفوف الشباب مرتفعة بصورة مؤلمة، ودعنا نسلم بأن الكثير من الليبيين يشعرون بالإحباط على نحو مبرر إزاء 42 عاماً من حكم النظام، بدد الثروة الليبية الواسعة وحرم الشعب الليبي من حرية التعبير عن نفسه. وصحيح أيضاً أن الدخول المتزايد على الانترنت ومواقع الاتصال الاجتماعي قد سمح للشباب الساخط بأن ينظم نفسه بطريقة لم يعد بالإمكان رصدها وقطعها من قبل النظام.
ولكن هذا هو الحد الذي عنده تنتهي أوجه الشبه بين ما حدث في ليبيا وما وقع في جارتيها، ذلك أن تونس ومصر ظلتا دولتين ؟ أمتين متماسكتين على امتداد ما يزيد على قرن من الزمن، والمشاعر القومية فيهما قوية بينما الشعور للانتماء القبلي لا ينطبق إلا على أقلية قليلة من السكان خارج المنطقة الحضرية، وليبيا على النقيض من ذلك، فهي تتألف من 3 ولايات عثمانية سابقة قام المستعمرون الإيطاليون بتجميعها معاً من عام 1911 وصاعداً.
وقد بنيت ليبيا الحديثة على هذه البنية العتيقة، فأصبحت دولة نفطية محفزة إيديولوجيا حققت استفادة كبيرة من عقد من النمو الاقتصادي المتواصل الذي دفعه قدماً تحسن العلاقات مع الغرب. غير أنه بسبب أيديولوجية النظام التي عفا عليها الزمن والبيروقراطية المفتقرة للكفاءة على نحو كبير، والمعارضة من قبل من لهم مصالح قومية، فإن الإصلاحات الاقتصادية الحقيقية لم يتم تنفيذها. وقد بدا للعالم كله أن الأوان قد فات، وان الجهود التي بذلت لإعادة ليبيا إلى الساحة الدولية وإخراجها من عزلتها الدولية بإدانة الإرهاب والتخلي عن البرنامج النووي، والسعي لخصخصة الاقتصاد، لم تصل إلى شيء. وفي اللحظة التي شعر القذافي بالحاجة إلى من يدعمه تخلى عنه بشكل جماعي دبلوماسيوه في الخارج والدول الغربية ذاتها التي استقطبته بضمان عقود نفطية كبيرة. ويظل مصيره مفتوحاً على حشد من علامات الاستفهام.
وفي البداية استمدت الاشتباكات العنيفة بين قوات الأمن والمحتجين التي انطلقت في بنغازي في السادس عشر من فبراير دوافعها من العناصر نفسها التي سببت القلاقل بصورة متوقعة في شرقي ليبيا على امتداد العقدين الماضيين، وهي تدور حول النزعة الإقليمية والقبلية والمظالم التي ارتكبها حكم القذافي. وعقب ذلك انتشر المفهوم القائل بأن ليبيا هي الدولة التالية التي تكتسحها اليقظة العربية العامة ضد الدكتاتورية. وأدى هذا المفهوم إلى توسيع قدرة الحركة على تجنيد المحتجين داخل ليبيا، وفي الوقت نفسه إثارة الاهتمام في الغرب. ثم حدث شيء اعتقد كل المحللين المعنيين بتطورات ليبيا باستحالة حدوثه، ففي العشرين من فبراير بدأ المحتجون الذين كانوا قبل ذلك يقتصرون على المناطق التي يقطنها تاريخيا خصوم القذافي، بدأوا في الانتشار إلى مدينة طرابلس العاصمة الواقعة في الغرب، والتي كانت تقليديا أكثر المدن الليبية هدوءا. وعلى الصعيد التاريخي في ليبيا، فإن إطلاق النار على الحشود من المحتجين كان يدفعهم إلى التفرق أما في هذه المرة فإن النجاحات الثورية التي تحققت في مصر وتونس قد دفعت رجل الشارع الليبي إلى الاعتقاد بأن التغيير أصبح في مطال يده، وقد غاب عن النظام معنى هذه اللحظة التاريخية الفريدة وعمد إلى توظيف تكتيكات عفا عليها الزمن في مواجهة المحتجين.
وكان الحدث الحاسم الذي غير تماما ديناميات ما يجري في ليبيا هو الخطاب الذي ألقاه سيف الإسلام القذافي نجل معمر القذافي، والذي تم بثه في وقت متأخر من قبل التلفزيون الليبي في 21 فبراير. وربما كان يمكن لسيف الإسلام أن يطرح إصلاحات جديدة وأن يلقي اللوم على كاهل المحافظين الرجعيين من أمثال بغدادي المحمدي ويحملهم مسؤولية الوضع في البلاد، ويعد بأنه سيستخدم ثقله لدى أبيه لوقف العنف الذي يستخدمه النظام ضد المحتجين، وبدلاً من ذلك فإنه لعب الورقة ذاتها التي سبق أن استخدمها الرئيس المصري حسني مبارك، والتي يخاطب الجماهير عبرها قائلاً إذا لم تظلوا معي فسوف تواجهون الإسلام السياسي والنزعة الانفصالية والتدخل الغربي والفوضى الشاملة. وعلى الرغم من أن هذه ربما كان يمكن أن تكون نقاط لها وجاهتها، فإن خطاب سيف الإسلام قد اتسم بالمواجهة والتحدي وليس بالنزوع إلى المصالحة. وكان بمثابة جهد وحشي لتبرير جهود عائلة القذافي للتشبث بالسلطة بأي وسيلة. وبعد أقل من 10 دقائق من انتهاء الخطاب كان قد أحدث بالفعل رد فعل عكسي فوحد الجماهير التي استبدت بها خيبة الأمل على امتداد ليبيا ودفعها إلى النزول إلى شوارع طرابلس الأمر الذي أدى إلى مزيد من عمليات القتل وتسبب في هجوم كاسح على القذافي من جانب شبكة الجزيرة.
إن إدراك هذا التغير الملحوظ في الديناميات الداخلية لليبيا لا يمكنه أن يرشدنا إلى ما سيحدث في ليبيا مستقبلا. وقد طرح المراقبون في هذا الصدد أسئلة عدة: هل ستتمكن أجهزة الأمن التي يقودها حلفاء القذافي من القبائل المختلفة والمسلحة بالأسلحة السوفييتية العتيقة من مواصلة السيطرة على جيوب في غربي البلاد؟ أم أن الحركة الوطنية الجديدة التي تدعمها الضغوط الخارجية، وهرب الموالين للقذافي ستسهل الانفجار الأخير للنظام مما يترك فراغاً كبيراً في السلطة؟ أياً كان الأمر فإن الأحداث المتوالية تشير إلى أن المجتمع الليبي سيصبح أكثر انقساماً إلى مكوناته الأصلية فليبيا تفتقر إلى الجيش المحترف غير القبلي كنظيره في مصر وتونس، والذي يمكن أن يكون وسيطاً في مرحلة التحول.
