قال الرئيس الأميركي السابق جورج بوش في وقت من الأوقات إما أن تكون معنا أو تكون ضدنا. وهو تقرير بسيط لحقيقة سياسية، فبعض الدول تميل إلى أن تحبذ بشكل عام رؤيتك للعالم، وبالتالي فإنها تكون مفضلة لديك. وهناك أمم أخرى يمكن القول بشكل عام أنها معادية لرؤيتك للعالم، وبالتالي فهي معادية لك. ولكن ما أشد انغماس الناس في الضحك على هذا الطرح آنذاك، فبالنسبة للكثيرين في أوروبا وأميركا كان القول إما أن تكون معنا أو ضدنا مثير للسخرية إلى حد بعيد. ولكن ما أكثر ما تعد المرحلة التي نجتازها اليوم مثيرة للسخرية بشكل أكبر، حيث يبدو أن هناك قولا جديدا سائرا بين الحكومات الغربية، ولا يزال جوهر الأمر أن الأنظمة إما أن تكون معنا أو ضدنا، ولكن تلك الأنظمة التي تقف معنا نقف نحن في الغرب الآن ضدها، والأنظمة التي تقف ضدنا نقف الآن معها، هل هناك ما هو أكثر غرابة من هذا؟

فلنأخذ في هذا الصدد الأحداث التي تجري في الشرق الأوسط وامتداد إفريقيا، فعلى امتداد ‬30 عاما أدار الرئيس المصري السابق حسني مبارك شؤون مصر، واستبد بخصومه السياسيين، وكان سجله في ميدان حقوق الإنسان سيئا، ولكنه أفلح بشكل من الأشكال على امتداد ‬30 عاما في أن يبقي مصر حليفاً إقليمياً رئيسياً للأنظمة الديمقراطية الغربية، وأن يبقي على صفقة سلام صعبة مع إسرائيل.

ولكن في اللحظة التي تدفق فيها المحتجون إلى شوارع مصر مطالبين بأن يكون لهم نصيب أكبر في تقرير مستقبلهم من الانتخابات المزورة كل بضعة سنين، وجد القادة الغربيون فجأة أصواتهم الضائعة.

كان الرئيس الأميركي باراك أوباما واضحا عندما مضى يطالب بنقل منظم للسلطة في مصر، وهو المقابل الدبلوماسي لسؤال الرئيس مبارك عما إذا كان هناك شيء محدد يريد أن يدرجه في نعيه، ومع تواصل الاحتجاجات ازدادت التصريحات من هذا القبيل قوة في واشنطن. وعند أحد المنعطفات في مسيرة الاحتجاجات بدا أن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يدلي بتصريح كل ساعتين مطالبا مبارك بالتنحي. وربما كان مبارك صديقا سيئا للغرب، ولكنه كان مع الغرب وليس ضده، وعندما حانت اللحظة الحاسمة فإن الشعب المصري دفعه بعيدا، وحلفاء مبارك في الغرب أكملوا الدفع.

ولكن ربما كان هذا نموذجاً وحيداً أخذت إدارة أوباما وغيرها من الحكومات الغربية على حين غرة، ربما بعد مصر فإن الموقف تغير، وسلطة الشعب بالإضافة إلى الضغط الدبلوماسي سيكونان الترتيب الجديد للأمور. كان يمكن أن يكون هذا الطرح مقبولاً، لولا أن الاحتجاجات برزت عندئذٍ في ليبيا.

لو أنك أردت شخصية في الحياة السياسية العالمية عرفت بكراهيتها وعدائها المستمرين للغرب لما وجدت نموذجاً أفضل من الرئيس الليبي معمر القذافي في هذا الصدد، فهو عندما لم يكون مشغولاً بتمويل الجماعات المتطرفة على امتداد العالم، أو بتفجير الطائرات فوق المدن الغربية، كان يعكف على إثارة العداء للغرب في المنطقة، وبالتالي فإن الغرب كان ينبغي أن يكون سعيداً عندما ارتفعت في الشوارع الليبية هتافات مطالبة بتغيير النظام، أخيراً، لكن هؤلاء المحتجين قوبلوا باستقبال مختلف، ليس من القوات الليبية فحسب، وإنما من السياسيين الغربيين كذلك.

في حالة ليبيا، وفي حالات أخرى غيرها، عندما يبدأ العدو الحقيقي في الظهور بمظهر الكيان الهش، فإن أميركا وحلفاءها يقررون عدم الدفع بقوة، وربما كان الرئيس أوباما والزعماء الأوروبيون قد اقتنعوا بمدرسة الستينات في السياسة، والتي تقول إنه ليس هناك عدو، وإنما هناك صديق لم تكسبه، وأياً كان ما يجري في أدمغة هؤلاء القادة الغربيين، فإن شعوبهم يجب أن تدرك النتائج المحتملة لمواقفهم.

إن قادة العلم الحر ينبغي أن يوجهوا رسالة واحدة فقط، وهي ان أي شعب في أي مكان يرغب في الإطاحة بالدكتاتورية لتكون له حكومة حرة سيجدنا إلى جواره، ولن نوضح هذه الحقيقة لأصدقائنا فقط، وإنما لأعدائنا أيضاً.

ترجمة - عمر حرزالله