لا يزال يتعين على العالم أن يتوصل إلى الاتفاق على اصطلاح يعبر عن الأحداث الكبرى التي تقع على امتداد الشرق الأوسط. وقد كنت في أعماق الريف الفرنسي بعيداً عن الاتصال بالمنطقة وتابعت أحداثها عبر بث «بي.بي.سي» الذي كان يأتي متقطعاً في بعض الأحيان، ولكنني سرعان ما اقتنعت بالوصف الذي أطلقه جيلز كيبل الخبير في تطورات المنطقة على ما يجري فيها، حيث وصف ما يجري بأنه الثورة الديمقراطية العربية.

وهي بالقطع عربية على نحو شامل. ففي اللحظة التي أطلقت دولة عربية واحدة وهي تونس الشرارة أشعلت ناراً علق العرب جميعاً في التو الأمل على أنها ستمتد إلى الأمة العربية بأسرها. ورأوا أنفسهم في آمال الشعب التونسي. وبدا معظمهم وقد سيطر عليه اليقين بأن الشعب العربي سوف يحقق ما تاق إليه طويلاً.

ومن الجلي أنها ديمقراطية، فمن المؤكد أنها قد غذتها عناصر أخرى هي عناصر اجتماعية واقتصادية في المقام الأول، ولكن الغياب الفعلي للشعارات الفئوية والأيديولوجية الأخرى كان لافتاً للنظر، بل إنه كان من الوضوح بحيث أن البعض يقول الآن إن هذا البروز للديمقراطية كمثال وكقوة محركة سياسية يرقى إلى ما لا يقل عن طريق ثالث في التاريخ العربي الحديث باعتبار أن الطريق الأول كانت القومية والطريق الثاني كان الإسلام السياسي. وهي ثورية بشكل مضاعف أولاً في مسار الثورة ذاته والجدة والإبداع الذين اعتمدهما الشباب المتعلم وغير المسيس إلى حد بعيد. وثانياً في العمق والنطاق والطابع المفاجئ للتحول في نظام قائم بدا على نطاق واسع أنه يوشك على الانهيار.

إنها ثورة عربية ولكن ليس بمعنى أن العرب سائرون في طريقهم الخاص مجددا، وإنما الأمر على النقيض من ذلك تماماً. فما من تجمع جيوسياسي آخر قدر له أن يكون له قادة ينتمون إلى عصر دكتاتوري سابق على هذا النحو، وما من تجمع آخر فاتته تماماً موجات سلطة الشعب التي اجتاحت الإمبراطورية السوفييتية والطغاة في أميركا اللاتينية وآسيا وإفريقيا. والعرب إذ يتجمعون أخيراً حول الديمقراطية، فإنهم في واقع الأمر يلحقون بباقي العالم، ويلحقون بمسيرة التاريخ التي خلفتهم وراءها.

آمال كبار

وإذا كانت تونس هي الدولة التي تحرك فيها الشارع السياسي أولاً، فإن الدولة التي علق العرب جميعاً الآمال على أنها ستتحرك بعد ذلك هي مصر، ذلك أن مصر كانت على الدوام نموذجاً، وفي بعض الأحيان وسيطاً عظيماً للتغيير بالنسبة للمنطقة بأسرها. وخلال المرحلة القومية بعد إطاحة الرئيس جمال عبد الناصر بالملكية في عام ‬1952 لعبت مصر كأوضح ما يكون ذلك الدور، ولكنها كانت أيضاً وبطريقة أكثر هدوءاً وأطول امتداداً، من الناحية الزمنية، المحرك الرئيس من خلال تقديم حركة الإخوان المسلمين لما يعرف الآن باسم الإسلام السياسي. ولكن ثالثاً كانت مصر أيضاً النموذج الأكثر تبكيراً وتأثيراً لما يدور حوله جوهر الثورة العربية الديمقراطية، فقد سعى عبد الناصر بالفعل للديمقراطية الحقيقية التي اعتقد أنها الأكثر ملاءمة لأهداف ثورته. ولكن هذه الثورة على الرغم من ملامحها الديمقراطية كانت ثورة يقودها العسكريون حقاً، وعلى امتداد السنوات تعرضت لتغيرات كبيرة في البيولوجيا والسياسة والسمعة، ولكنها احتفظت على الدوام بهياكلها الأساسية، وتداعت إلى صيغتها القمعية بعمق والفاسدة إلى أبعد الحدود التي تولى الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك مقاليد رئاستها. وكرر هذا النظام نفسه مع ملامح محلية في معظم الأنظمة الاستبدادية العربية وبصفة خاصة في الأنظمة التي كانت ثورية ذات يوم، ووفي غيرها أيضاً. ومن المؤكد أن الشارع المصري قد تحرك بسرعة كتعبير أصيل وعريض النطاق عن إرادة الشعب، وحقق المرحلة الأولى والمهمة مما يعتبر بالتأكيد أكثر الانتفاضات نموذجية وتحضراً في التاريخ، ويشعر اليوم المصريون بأنهم قد ولدوا من جديد، وينظر العالم العربي من جديد بأعظم قدر من التقدير. ومن الناحية العملية فإن الطريق الثالث عند العرب لا يعني إلا أن الديمقراطية، وهي مفهوم سياسي محايد في حد ذاته، ستخدم من الآن فصاعدات باعتبارها بوابة لتسيير حياتهم السياسية، وبالتالي فهي لا تعني إلغاء الطريقين الأول والثاني، ذلك أن سياسات هذين الطريقين لا يمكن إلا أن تســـتمر منطلقة إلى الطريق الثالث.

السؤال المؤرق

وفي الوقت الحالي فإن السؤال المؤرق سيدور حول أين توجه الثورة العربية الديمقراطية ضربتها التالية؟ وعلى الرغم من أن أوروبا ‬1989 هي السابقة الواضحة في هذا الصدد فإن الأنظمة العربية قد لا تتساقط تباعاً مثل قطع الدومينو على نحو ما حدث مع نظامي هونيكر وشاوشيسكو، وفي أعقاب القادة العرب الذين سقطوا بالفعل، فإن آخرين قد لا يسقطون بسهولة، وقد بدا هذا بوضوح في حالة أكثر من نظام عربي واحد.

ولكــن معـــــظم الأنظمة العربية مرشحة لأن تكون في بـــؤرة النشوء في هذا الإطار، وربما نجد أن من بين الاستثناءات القليلة المحتملة بل وأكثرها أهـــــمية هو لبــــــنان، الذي عدت إليه، أخيراً. وهو البلد الأكثر اضطراباً والأكثر تعرضاً لعواقب ما يقوم به العرب الآخــــرون وبالتالي فإنه قد يبـــــــدو منــــــــطقياً أنه مــن بين الأنظمة العربية الأولى المرشـحة للســـــــــقوط، ولكـــــنه ليس كـــــذلك لأنه كان دوماً ديمــقراطـــــية من نوع ما.