يشدد القول السائر على أن النجاح له العديد من الآباء بينما الفشل يتيم. ومن المؤكد أن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ليس واحدا من آباء النجاح.

في الوقت الحالي يشن مساعدو الرئيس الأميركي السابق وغيرهم من المحافظين الجدد حملة مكثفة للترويج للادعاء بأن حملة بوش المؤيدة للديمقراطية في الفترة الثانية من رئاسته قد أفضت إلى الثورة التي تشهدها مصر.

ما من شيء يمكن أن يكون ابعد عن الحقيقة من هذا الادعاء، الحقيقة هي أن بوش أحدث من الضرر ما يفوق كثيرا ما حققه من النتائج الطيبة، ويمكنني التأكيد على ذلك لأنني كنت شاهد عيان في هذا الصدد.

استهل إليون أبرامز الذي كان أحد مساعدي بوش هذه الحملة الصغيرة خلال الشهر الماضي بمقال نشره في صحيفة واشنطن بوست وقال فيه: «توضح الثورة في تونس وموجة المظاهرات الهائلة في مصر والمسيرات في اليمن، جميعها أن بوش كان محقا في موقفه، وأن تخلي إدارة أوباما عن هذه العقلية لا يعدو أن يكون مأساة».

ومضى الكاتب المحافظ تشارلز كروثامر شوطا أبعد حين قال:اليوم يؤيد الجميع أجندة الحرية وهذا أمر طبيعي أما بالأمس فلم يؤيدها إلا جورج بوش وقلة من المحافظين الجدد.

صاغ بوش أجندته الديمقراطية في خطابه الرئاسي الذي استهل به فترته الثانية وألقاه في يناير ‬2005. وتصادف أنه قبل ذلك بثلاثة أشهر أعلنت مجموعة دراسة العراق أنها لم تجد أسلحة دمار شامل هناك، وهكذا فقد احتاج بوش إلى مبرر آخر لتبرير الحرب التي شنها على العراق، ومن هنا خرج بالقول بجلب الديمقراطية إلى العالم العربي، واتخاذ العراق نموذجا ملهما.

قال لي جورج إسحق أحد قياديي حركة كفاية، والذي كان قد أطلق سراحه من السجن آنذاك: « هذه غلطتنا لأننا صدقناهم، وعندما تحدث بوش في عام ‬2005 لم يكن بمقدورنا أن نتصور أن الأمر سيكون على هذا النحو».

وقال مناصرون آخرون للديمقراطية الشيء ذاته. تولت دكتورة هالة مصطفى رئاسة تحرير مجلة «الديمقراطية» وقد قالت إنها ابتهجت في عام ‬2005 عندما طلبت الخارجية الأميركية منها أن تلقي كلمة تقديم لوزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس عندما جاءت لإلقاء خطاب في القاهرة، ولكن بعد مغادرة رايس للقاهرة مباشرة تعرضت هالة مصطفى لكثير من المضايقات، وهي لم تجد نفسها في السجن ولكنها كما قالت لي: «تم إخضاعي لكثير من الضغوط».

اليوم ينتقد المتحمسون لبوش الرئيس الأميركي باراك أوباما على استجابته المتعثرة إزاء الثورة في مصر، غير أنه في حقيقة الأمر فإن جميع الرؤساء الأميركيين تقريبا منذ فرانكلين روزفلت قد واجهوا موقفا من هذا النوع، وتمسكوا بنظام دكتاتوري مفيد، حتى بعد أن تكون شمسه قد آذنت بالمغيب.

ينصرف التفكير في هذا الصدد إلى كوبا، الفلبين، نيكاراغوا وتونس. وهذه اللحظات بقدر ما هي محرجة فإنها غير قابلة للتجنب.

وقد أشارت دراسة مجلة الإيكونومست إلى أن ‬26٪ من دول العالم هي «ديمقراطيات كاملة». وجميعها تقريبا في أوروبا ونصف الكرة الغربي. وتشير الدراسة إلى ‬53 دولة أخرى باعتبارها «ديمقراطيات معيبة». وكل الدول الأخرى التي يبلغ عددها ‬88 دولة يشار إليها على أنها أنظمة ديكتاتورية دموية على الرغم من أن بعضها يدعي أنه ديمقراطي. وفي ضوء ذلك كله كيف يمكن للرئيس الأميركي أو لرئيس أي دولة أن يسير السياسة الخارجية لبلاده من دون علاقات ودية مع ديكتاتوريي العالم على الأقل؟ هذا أمر لا يمكن القيام به.

وقد قمت في إطار اضطلاعي بوظيفة عامة سابقة بمصاحبة وزراء الخارجية الأميركيين فيما هم يرتحلون عبر العالم، وبعد مضي عام من خطاب الديمقراطية الذي ألقته رايس في القاهرة، أتذكر أنني مضيت أنتظر على مدرج الطائرة فيما كانت رايس جالسة في مبنى المطار مع عمر سليمان، الذي كان آنذاك مدير المخابرات المصرية، في جلسة إطلاع، وذلك قبل انطلاقها إلى دول عربية أقل ودا نحو أميركا.

ترجمة - عمر حرزالله