بدت خطوط المواجهة واضحة فيما كانت الثورة المصرية تشق طريقها مسرعة، وبرز قائدان في غمار ما كان يجري، فعلى الجانب الحكومي كان هناك نائب الرئيس السابق عمر سليمان، الذي بدا مصرا على أن يمضي بالمحتجين المناصرين للديمقراطية إلى رحاب النسيان، ولم يتردد في القول إن ثقافة مصر ليست جاهزة للديمقراطية. وعلى جانب الثورة كان هناك المسؤول التنفيذي لغوغل في الشرق الأوسط وائل غنيم، الذي بادر فور إطلاق سراحه بعد اعتقال دام ‬12 يوما، إلى القول: « الحرية هبة تستحق أن نناضل من أجلها».

وقفت الولايات المتحدة في مكان ما بين هذين الجانبين، وهو بالفعل ما كان بعض المراقبين يعتقدون أنه ليس بالمكان السيء بالنسبة للولايات المتحدة، وكان هناك طريق وسطي متماسك هو الانتقال التدريجي إلى الديمقراطية، وكانت إدارة الرئيس أوباما تبذل جهدا شاقا للترويج لهذا الطريق. وشملت الخطة المتصورة في هذا الصدد تقديم حلول وسط من قبل الجانبين، فالحكومة يتعين عليها أن ترفع حالة الطوارئ التي استمرت ‬30 عاما، وهي الخطوة التي بدا أن الحكومة تكره القيام بها. ومن الناحية الأخرى يتعين على الثوار تقبل أن الرئيس السابق حسني مبارك لن يتعرض للإذلال بتنحيته علنا، وسيظل بمثابة رمز قيادي لحكومة يقودها على الصعيد العملي عمر سليمان، إلى أن يتم إجراء الانتخابات المقبلة، وهي انتخابات سيستغرق تنظيمها بعض الوقت ومن المؤكد أنها لن تجري قبل سبتمبر المقبل.

كان هناك اتفاق عام في المنطقة، وفي الإدارة الأميركية، على أن هذه خطة مقبولة، ولم يكن هناك ادعاء خارج مصر بان مبارك يمكن أن يبقى، فحسبما قال دبلوماسي خدم طويلا في الشرق الأوسط : « ذلك العهد قد ولى».

ولم يكن الفساد المحيط بمبارك هو الذي يشق طريقه إلى الانتهاء، وإنما كان في الطريق إلى النهاية أيضا عهد من الدبلوماسية الأميركية. وقد قال لي السناتور جون كيلي في هذا الصدد: «يتعين علينا الإقرار بأن هناك رياحا جديدة قوية تهب ويدفعها إلى الأمام حشد من التقنيات الإعلامية الجديدة، وسيكون من الصعب بصورة متزايدة على الدكتاتوريين فرض إرادتهم من خلال الوحشية الخالصة».

ولكن كيف أمكن للولايات المتحدة أن تغير صورتها الفظيعة على نحو حاسم في المنطقة؟ على امتداد ‬60 عاما، أو يزيد، كان الأميركيون قد ساندوا أي حاكم استبدادي يبدي استعداد للوقوف إلى جانبهم ضد الاتحاد السوفييتي، وقد ارتبطوا بهؤلاء القادة بعد أن اختفى من الوجود كل ظل للاتحاد السوفييتي، وفي الوقت نفسه كانت الولايات المتحدة قد دعمت إسرائيل بقوة في مواجهة جميع مطالب الفلسطينيين، وكان هذان الموقفان بعيدين عن الشعبية تماما في الشارع العربي، ولم يكن من السهل تعديل أي منهما، ولكن الجهود الأميركية في مصر على الرغم من أنها في بعض الأحيان كانت مرتبكة ومتعثرة، إلا أنها كانت تشير إلى الطريق الذي ينبغي أن يتم اتباعه. فحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة يتعين دفعهم باتجاه تبني الديمقراطية، ولم يعد بالإمكان أن يعلو نجم الورقة التي لعب بها الحكام المستبدون طويلا، وهي الخوف من سيطرة التيار الإسلامي على الشارع السياسي.

وبالطبع فإن ثقل الولايات المتحدة المرجح ليس كاسحا على وجه الدقة، فإملاء الإرادة على الحكام الطغاة لا ينجح لأن لهم اهتماماتهم الخاصة حول عدم قابلية الآخرين للاستغناء عنهم. وفي هذا الصدد يقول الخبير الأميركي دينيس بولاك، الذي يعد كتابه «الطريق إلى خارج الصحراء» بمثابة خارطة طريق مهمة لإصلاح مؤسسات الشرق الأوسط الأساسية واقتصادها ومدارسها التي تركز على التلقين والحفظ- قال: « إن أفضل طريقة للقيام بذلك هي من خلال الحوافز وليس التهديدات. ينبغي أن نقدم الدعم المالي للبرامج المختلفة في التعليم والتنمية الاقتصادية التي تحرك النظام في الاتجاه الصحيح».

ويورد بولاك في هذا الصدد أمثلة من نظم عربية لا تحتاج إلى الدعم المالي من الولايات المتحدة، والتي قام بعضها بالفعل بتطوير نظامه التعليمي وتحديث مناهجه الدراسي. ويقول بولاك في هذا الصدد: « هذا الاتجاه لا يشق طريقه إلى عناوين الصحف مثل أحداث ميدان التحرير، ولكنه على وجه الدقة الشيء الذي يتعبن علينا تشجيعه».

يتعين على الولايات المتحدة أيضا أن تدعم مشروعات الديمقراطية في العراق والضفة الغريبة التي تستحق الدعم، وقد أشرف رئيس الوزراء الفلسطيني المستقيل سليمان فياض على إحراز تقدم كبير في الأمن والحرية الاقتصادية، اللذين تهددهما حركة الاستيطان الإسرائيلي.

ويقول جون كيري الذي ينظر إلى فياض باعتباره تحديا للقادة العرب الآخرين فيما يتعلق بالحاجة إلى الديمقراطية: «فياض شخصية مؤثرة، وقد أحرز ما وصل إليه من تقدم بجانب لم أره من قبل في العالم العربي».

هذا الجانب على وجه الدقة يطرح التساؤل عن الدعم الكامل الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل، وهذا الأمر ليس قضية مثل قضية موقف الولايات المتحدة من أحداث ميدان التحرير، ولكنه سيتحول إلى قضية من النوع نفسه عندما يقترع مجلس الأمن على مشروع قرار لإدانة إسرائيل بسبب سياستها الاستيطانية في للضفة الغريبة، التي تدفع باتجاه إقامة المزيد من المستوطنات التي تعتبر غير شرعية وفقا للقانون الدولي. فالولايات المتحدة لم تؤيد مثل هذا المشروع بل إنها لن تكتفي بالامتناع عن التصويت عليه، وذلك على الرغم من وجود تيار في الإدارة الأميركية يؤيد هذا الموقف على وجه الدقة. ولكن ينبغي أن يكون هنا وضوح تام في هذا الشأن فسلوك إسرائيل غير المشروع في الأراضي المحتلة يتناقض مع قيم الولايات المتحدة التي تحاول تطوير هذه المنطقة من العالم.