في غمار الأزمات يموت القديم بينما لا يكون الجديد قد ولد بعد، ومن هنا فإن الثورتين اللتين شهدناهما في مصر وتونس، واللتين قد تمتدان إلى دول أخرى في المنطقة تمتلئان بعناصر غياب اليقين، ولكننا في الغرب ينبغي أن نقف إلى جوار مبادئنا الجوهرية، وكما قالت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، أخيرا، في ميونخ فإنه: «عندما يتعلق الأمر بكرامة الإنسان فليس بمقدورنا الوصول إلى حلول وسط.

يمكن أن تفضي الثورات في العالم العربي إلى تغيرات تاريخية، فالشعوب قد سئمت الفساد وضاقت بالقيادات التي لم تقدم لها قط حياة لائقة أو أملا في مستقبل أفضل. والأغلبية الصامتة التي تعتقد بقية العالم أنها جاهلة ومستكينة لقدرها أبلغت العالم كله، بصوت عال وبوضوح، أنها تريد التخلص من الحكام الطغاة القدامى. والقوة التي تمنحها التقنيات الجديدة لأصوات الشعوب أشد بأسا من إملاءات الأقوياء.

ما الذي يمكننا القيام به لتحويل عام ‬2011 إلى الصيغة العربية من عام ‬1989، التي جلبت الحرية إلى بلاد وسط وشرق أوروبا، التي كانت شيوعية سابقا؟ وما الذي يمكننا القيام به لمنع عام ‬2011 من أن يصبح سيرة جديدة لعام ‬1979، الذي شهد تبدلات يعتبرها الغرب سلبية في الشرق الأوسط؟ ما هو الدور الذي يتعين على المجتمعات االحرة القيام به في هذه اللحظة المهمة بالنسبة للعالم؟

ينبغي أن يكون واجب الديمقراطيين هو القيام بكل ما هو ممكن لجعل الحرية تسود،. ومن هنا يتعين علينا أن نؤيد من يسعون إلى إقرار الديمقراطية والحرية في بلادهم، حيث سيتاح للرجال والنساء حقوق متساوية وكرامة تفضي إلى الازدهار والاستقرار، وينبغي بالمثل أن نكون متيقظين فيما يتعلق بإمكانية أن تحل محل هذه الأنظمة الاستبدادية أنظمة أخرى معادية وخطرة وأكثر طغيانا.

إن أفضل طريقة لوضع حد للخطر الذي تطرحه الأنظمة الاستبدادية هو المساعدة على انتشار الحريات، فالصراع الذي شهدناه، أخيرا، في مصر وفي الدول الأخرى، ليس صراعا بين الحضارات أو بين المجتمعات، بل هو صراع ينشب في أي مجتمع يسعى إلى التخلص من الحكم المستبد ليعيش في حرية، وهو الصراع نفسه الذي نشب في أوروبا وآسيا، وأخيرا في أميركا اللاتينية. وليست هناك استثناءات ثقافية أو دينية فيما يتعلق برغبة الإنسان في أن يعيش حرا، فما من أحد كتب عليه أن يكون استثناء راكدا في عالم نشط ومزدهر.

يتعين علينا أن نزيل سوء الفهم المتمثل في القول بأن الإسلام والديمقراطية لا يتماشيان معا. وقد أدى الخلط في هذا الشأن في الماضي إلى إضعاف التأييد الغربي للمسلمين الديمقراطيين، ومنعهم من أن يكونوا أقوياء ومنظمين على نحو ما هو مرغوب فيه. غير أننا لا نستطيع في الوقت نفسه أن نتجاهل الحقيقة القائلة إن القوى التي تبدو اليوم أكثر تنظيما في الشرق الأوسط هي قوة متشددة قد تحاول استغلال الموقف الراهن لخدمة أجندتها الخاصة. وواقع الأمر أن التنظيم من أجل الحرية هو على الدوام أمر أكثر صعوبة من التنظيم ضد الطغيان.

اليوم يتعين على من يؤمنون في الغرب بالمجتمعات المفتوحة والديمقراطية والحرية الاضطلاع بالتزام محدد والمساعدة على أن تمضي التغيرات التي يشهدها الشرق الأوسط في الاتجاه الصحيح، وهو الاتجاه الذي يفضي إلى رفض التطرف باعتباره أداة للحركة السياسية، في الاتجاه الذي يمضي نحو الحرية، ونحو الديمقراطية التعددية، ونحو تقبل القانون الدولي، ونحو الانفتاح على العالم واحترام الحقوق الإنسانية الشاملة.

اليوم يرقب العالم العربي النافذة التي تشرع على الحرية، ويتعين علينا في الغرب أن نقوم بكل ما هو ممكن لفتح هذه النافذة عن آخرها، ومن يناضلون الآن من أجل الحرية ينبغي أن يعرفوا أننا نؤيدهم.

ترجمة - عمر حرزالله