«مدينة الموتى القاهرية» هي امتداد هائل من الأضرحة والمقابر يعيش ويعمل فيه خمسة ملايين من المشردين والفقراء، الذين يشكلون نسبة كبيرة من إجمالي سكان القاهرة البالغ ‬18 مليون نسمة. وتمتد هذه الجبانة الهائلة الواقعة عند سفح تلال المقطم من الشمال إلى الجنوب لمسافة ‬4 أميال. وفي ضوء الحقيقة القائلة أن ‬40٪ من سكان مصر البالغ عددهم ‬83 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر الذي حددته الأمم المتحدة والمتمثل في دخل يومي لا يتجاوز دولارين، فإن الكثيرين قدموا إلى مدينة الموتى القاهرية باحثين عن العمل والإقامة والغذاء.

ولمجرد مسايرة الضغوط السكانية، فإن الحكومة المصرية يتعين عليها أن تولد سنويا مليون فرصة عمل جديدة، وهي مهمة مستحيلة، ولذا فإن البيروقراطية المصرية التي بدأت قبل ‬5000 عام تواصل النمو، وقد وصل الارتفاع الأخير في أسعار المواد الغذائية العالمية البالغ ‬30٪ بالضغوط الاجتماعية إلى مرحلة الغليان.

وبعد ثلاثة أسابيع من المظاهرات المستمرة على مدار الساعة تخلى الرئيس المصري حسني مبارك عن منصبه، وانطلق، حسبما أعلنت مصادر عدة، إلى شرم الشيخ فاتحة مجال التكهن واسعا أمام المقصد النهائي له.

امتلأ ميدان التحرير في قلب القاهرة ليلا ونهارا بما لا يقل عن ربع مليون شخص على امتداد ثلاثة أسابيع، وتوجت الاستجابة المبدئية لمطالبهم بمغادرتهم للميدان، بعد القيام بترتيبه وتنظيفه، وتولى الجيش المصري مقاليد السلطة.

وحرص المتظاهرون لدى انصرافهم إلى بيوتهم على الإشارة، صراحة أو ضمنا، إلى أنهم سيعودون إلى الميدان إذا لم يعجل الجيش بإجراء انتخابات حرة ونزيهة وتشكيل حكومة مدنية جديدة لا صلة لها بالنظام السابق، وعادت أعداد قليلة من المتظاهرين المطالبين بمطالب فئوية إلى الميدان الذي حرص الجيش على حراسته حراسة جيدة وضمان عودة الحياة اليومية العادية إلى مجراها على امتداده.

وتتابعت التطورات وفي مقدمتها إلغاء مجلسي البرلمان وتعليق العمل بالدستور، وتكليف فريق من الخبراء بإعداد دستور جديد كلية.

وعلى رأس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية يبرز الفريق محمد حسين طنطاوي الذي شغل منصب وزير الدفاع منذ عام ‬1995. ويعد الرجل، الذي يتولى عمليا مقاليد السلطة، إلى أن تجرى الانتخابات المتوقعة في الخريف المقبل. وتضم حكومة تسيير الأعمال مجموعة من الوزراء الذين ينتمي معظمهم إلى النظام السابق من الناحية العملية.

ويتوقف المراقبون طويلا عند الحقيقة القائلة بأن أول قرار سياسي اتخذه المجلس هو حل مجلسي الشورى والنواب، اللذين كان الحزب الوطني الديمقراطي يحتل معظم المقاعد فيهما وفقا للانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي انسحب الإخوان المسلمون من دورة الإعادة فيها متهمين الحكومة باللجوء إلى التزوير والعنف والاستعانة بالشرطة والبلطجية.

تتمثل الأولوية الأولى أمام المجلس الأعلى في استعادة الأمن، فقد هرب السجناء أو تم تهريبهم من ستة سجون على الأقل خلال موجة الاحتجاجات التي شملت الإسكندرية، المنصورة، طنطا، بورسعيد في دلتا النيل، وكذلك أسيوط في صعيد مصر، وبين هؤلاء السجناء عدد ممن يشتبه في انتمائهم إلى تنظيم القاعدة.

ومن منظور بعض المراقبين فإن مصر تمر بمنطقة غسقية، على حد وصفهم، ومن المتوقع أن يظل المجلس الأعلى المسيطر الوحيد على مقاليد السلطة على امتداد ستة أشهر، أو إلى أن يتم إجراء انتخابات رئيسية وتشريعية. وبعد إلغاء الدستور القديم أُعلن عن تكليف لجنة من الخبراء بكتابة دستور جديد يتم إصداره في غضون شهرين، غير أن الكثيرين يعتقدون أن هذه المهمة قد يصعب إنجازها قبل نهاية العام الحالي، فضلا عن أنه يتعين التفاوض حول القواعد التي ستوضع لاستفتاء شعبي على الدستور.

تواجه مصر ماراثونا هائلا من العقبات القانونية التي ستقتضي شهورا لتجاوزها، بينما يظل الغضب في صدور الملايين من المحتجين الذين نفد صبرهم وتساورهم الشكوك حيال ما ستفضي إليه الأمور، وهم لا يستطيعون التصدي للجيش الذي يعتبرونه المؤسسة الأكثر شعبية في البلاد، باعتباره مؤلفا في الأساس من المجندين، وفي المقابل فإن قادة الجيش ليسوا في عجلة من أمرهم فيما يتعلق بعودة الحكم المدني عبر انتخابات ديمقراطية.

وما من أحد يعرف كم من الاقتصاد المصري موجود تحت سيطرة قادة الجيش، فالنظام السابق استنسخ بصورة جزئية في جانب منه من الجيش الباكستاني الذي يشارك ضباطه المتقاعدون بحوالي ‬60٪ من الاقتصاد الباكستاني، وتقدر النسبة المناظرة في مصر بما يتراوح بين ‬20 - ‬45٪.

لقد قيل وكتب الكثير عن دور وسائل الاتصال الاجتماعية في تفجير الثورة المصرية، ونال «فيس بوك» و«تويتر» الكثير في هذا الصدد، وبرز وائل غنيم المدير التنفيذي الإقليمي في شركة غوغل باعتباره صوت الثورة ورمزا لها، ولكن قبل وصوله إلى هذا اللقب كان عليه أن يمضي ‬12 يوما في السجن ورهن التحقيق، قبل أن يطلق سراحه فيبادر بالعودة إلى ميدان التحرير حيث تلقاه الجمهور بالتهليل والترحيب، ولكن هذا كان بمثابة ميغابايت واحد من الثورة الهائلة.

من المعروف أن ‬25 يناير هو العيد الوطني للشرطة في مصر، وهناك عطلة رسمية بهذه المناسبة. والقائمة المعروفة باسم «‬43 شيئا»، التي طرحتها شبكة «يورو» الاجتماعية، هي برنامج تتقاسم فيه هدفا مع الآخرين باعتماد هدف، والطلب إلى أصدقاء جدد بأن يدفعوا باتجاه هذا الهدف. وقد كان هذا البرنامج مناسبا تماما للدفع باتجاه تحقيق إغراق ميدان التحرير بالمحتجين.

وأدت برامج مثل «بادو» و«بيبو»، التي تتخذ من شبكة «يورو» الاجتماعية أساسا لها، إلى الانطلاق بهذه العملية على نحو مدهش. والملاحظ أن هذه العدوى الافتراضية قد انتشرت على امتداد العالم العربي.

وانطلقت المظاهرات في لجزائر وفي اليمن بصورة يومية تقريبا، والظاهرة مرشحة للانتشار إلى دول عربية أخرى، ويظل الأفق مفتوحا على احتمالات تبدأ ثم لا تنتهي.