أجرت مجلة ديرشبيغل الألمانية، في إطار متابعتها المكثفة لتطورات الأحداث الراهنة والاحتجاجات التي تشهدها مناطق مختلفة من العالم العربي وردود الأفعال عليها، أجرت حوارا مكثفا مع جان أسلبورن وزير خارجية لكسمبورغ حول الاتهامات التي وجهت إلى الاتحاد الأوروبي، لأنه تردد طويلا في إبداء رد فعله حيال ما يجري في البلاد العربية المعنية، حيث بادر إلى تأكيد أن الموقف الأوروبي لا يعكس جبنا ولا تحسبا، وإنما يعكس صعوبة تحقيق التوازن بين الاستقرار والديمقراطية في الدول المعنية، وأكد استعداد الاتحاد الأوروبي لتقديم الدعم اللوجستي والاقتصادي للدول المعنية لتجاوز المرحلة الراهنة وصولا إلى الديمقراطية.

وانطلق الوزير الأوروبي إلى آفاق النقد الذاتي الصارم، معربا عن اعتقاده بأن أوروبا ركزت في مرحلة سابقة على حكام المنطقة وليس على شعوبها، التي قال إنها اضطرت للعيش والمعاناة طويلا، وأنه يتعين على العالم كله أن يقدم لهذه الشعوب ما يخدم المستقبل حسب تعبيره. وفيما يلي نص المقابلة:

انطلق الكثيرون في دول عدة في العالم العربي إلى الشوارع في غمرة احتجاجات واسعة النطاق، غير أن أوروبا اكتفت في مواجهة هذا كله بالوقوف موقف المتفرج، فهل ينبع ذلك من الجبن أم من التحسب؟

هذا الانطباع خاطئ إلى أبعد الحدود، فنحن في الاتحاد الأوروبي لم نكن نشيح بأبصارنا عما يجري، وإنما رحبنا بهذه التطورات، وذلك على أساس أنها من منظورنا تعد تطورات مهمة على نحو يستعصي على التصديق. وفي اعتقادنا أن ما يجري في الدول المعنية يعد فرصة لشعوب هذه الدول وللعديد من دول العالم الأخرى.

إذا كانت أوروبا تستشعر مثل هذه الحماس فإنها تلزم هدوءا مثيرا للدهشة فيما يتعلق به.

ربما كان مرد الأمر إلى أن رد فعلنا على هذه الاحتجاجات قد سيطر عليه هدوء وتكتم أكثر مما ينبغي، ولكن من الذي سيستفيد إذا اندفعنا إلى المشهد في هذه الدول، وطالبنا بهذا المطلب أو ذاك؟

لقد تعين علينا نحن الأوروبيين أن نقوم بعملية توازن صعبة، فمن ناحية فمن المحتم علينا الإصغاء لما تطالب به هذه الشعوب، وفي الوقت نفسه احترام مبدأ تقرير المصير والحكم الذاتي في هذه البلاد. وأنا أقر بأن هذا الموقف يبدو في بعض الأحيان كما لو كان يعكس جبنا، ولكن السياسة الجادة ليست استعراضا يستهدف تحقيق إرضاء مؤقت للجمهور المحلي، لا بد لنا من أن نبقي أبوابنا مشرعة إذا أٍردنا مثلا أن نساير مصر في تطور يفضي إلى إجراء انتخابات حرة، تتضمن إقرار حق الانتخاب لكل رجل ولكل امرأة.

أليس التركيز الأوروبي على المجتمع المصري، وأيضا على مجتمع تونس والعديد من الدول العربية الأخرى متأخرا قليلا، خاصة وأن الاتحاد الأوروبي يشير إلى نفسه متباهيا بأنه مجتمع القيم؟

لسوء الحظ فإن الأنظمة الديمقراطية تشكل أقلية من بين الدول ال ‬193 الأعضاء في الأمم المتحدة، وأنا لا أقول هذا في معرض إبداء العذر، وإنما أطرحه كتفسير لعمل الاتحاد الأوروبي بصورة مستمرة مع دول لا تعكس بالضرورة القيم الأوروبية، وعلى سبيل المثال فقد تعين علينا أن نتعاون مع ما يسمى الدول العربية المعتدلة، وذلك لكي نحول دون وقوع الأسوأ، وعلى سبيل المثال لكي نحول دون اندلاع قتال في إطار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وبدون مصر فإن مجرد محاولة التوصل إلى تسوية لهذا الصراع لا يمكن أن تبدو شيئا عمليا.

أنت وزير خارجية وتنتمي إلى الحزب الديمقراطي الاشتراكي، ما هي الدروس التي تستمدها من الأحداث الجارية في الدول العربية المعنية؟ ما الذي ينبغي على الحكومات الأوروبية أن تفعله بصورة مختلفة في المستقبل.

لقد ركزنا أكثر مما ينبغي على التعاون الاستراتيجي مع بعض هذه الدول، وأهملنا ما يجري داخلها، وينبغي أن نتحمل المسؤولية عن ذلك، فقد أردنا الاستقرار وهذا شيء مهم، أي عدم نشوب حرب تقليدية أو حرب اهلية، ولكن هذا أصبح شللا، حيث تتابعت عقود من الابتعاد عن الديمقراطية، دون أي احترام لحقوق الإنسان الأساسية، ونحن لم ندرك هذا بوضوح.

أم أننا لم نرد إدراك ذلك؟

أم أننا لم ندرك ذلك على وجه الدقة، ربما أننا لم ندرك ذلك فقد ركزنا على الحكام وليس على الشعب الذي اضطر للتعايش وتحمل المعاناة، ويتعين علينا إنجاز الأمور بشكل أفضل في المستقبل، ولكن هذا أمر لا يسهل القيام به كما يقول المنتقدون. فكيف يمكن للمرء أن يقوي المجتمع المدني وأن يدعم الحركات الإصلاحية في الدول إذا كان النظام فيها لا يسمح بذلك؟ إننا نحاول القيام بهذا في العديد من الدول، ومنها روسيا البيضاء على سبيل المثال. ويتعين على المرء أن يسأل: كم من الصعوبات الاقتصادية يمكن لدول الاتحاد الأوروبي أن تتحملها إذا لم نقم بأنشطة الأعمال أو قمنا بأنشطة أقل مع دول لا تتبنى نظما ديمقراطية؟ إن الصين، الهند، البرازيل، روسيا، ومنافسين عالميين آخرين لا يربطون بين ما يمارسونه من أنشطة وبين سيادة الديمقراطية في الدول التي يمارسون التجارة معها. وبعض القوى الكبرى الاقتصادية الجديدة ليس لها سجل جيد في مجال حقوق الإنسان، فهل يفترض بنا أن نوصد الباب وأن نقول إننا لسنا على استعداد للحوار أو التجارة معكم؟