أطلقت التطورات الكاسحة التي شهدتها تونس موجة أمل عارمة على امتداد العالم العربي، حيث أعقبتها سلسلة من الاحتجاجات في أكثر من دولة، من الجزائر وصولا إلى اليمن ومرورا بمصر، التي بدأت أحداثها باجتماع إرادة ‬90 ألف شاب مصري على إعلان استعدادهم عبر الفيس بوك للمشاركة في احتجاجات ‬25 يناير. وعلى الرغم من أن شبكة «سي إن إن» قدرت عدد هؤلاء الشباب بما لا يتجاوز ‬15 إلى ‬20 ألفا، إلا أن الأمر تطور إلى إطلاق عاصفة من التطورات والتغييرات لم تعرفها مصر منذ عقود مضت.

ويلفت النظر إلى مبادرة العديد من الأشخاص في الشرق الأوسط إلى إشعال النار في أنفسهم، من بينهم امرأة، على أمل أن يقدموا لبلادهم القدوة التي قدمها للتونسيين بائع فاكهة وخضر مفعم باليأس، كان يحاول إعالة أمه الأرملة وإخوته السبعة، فتلقى صفعة من شرطية، وعندما بادر إلى إشعال النار في نفسه في ‬17 ديسمبر، بدا الأمر وكأنه أشعل النار في تونس كلها. وفي الوقت الحالي فإن صورته تنتشر في كل مكان في تونس، لتحل محل صورة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي.

وما تبقى من هذه البانوراما الهائلة للأحداث هو أن النظم في الدول المعنية قد تعرضت للتحدي، وعلى الأقل اهتزت بصورة سيئة، وربما تلقت ضربة قاتلة.

ويعد النموذج التونسي النموذج التقليدي في هذا الشأن، فالرئيس التونسي زين العابدين بن علي، الذي طالما حظي بالتأييد الأميركي، أمضى الجزء الأول من مسيرته المهنية ضابطا واعدا بالجيش، وقاده هذا إلى المخابرات والأمن، وهما بمثابة الطريق السريع إلى النجاح في عدد من الدول العربية. وحضر مساقات دراسية في الأكاديمية العسكرية الفرنسية، وفي مدرسة المخابرات التابعة للجيش الأميركي في « فورت هولابيرد» بولاية ميريلاند الأميركية.

وتشير التقارير إلى أن وصوله إلى سدة الرئاسة في عام ‬1987، فيما وصف بأنه انقلاب جراحي دقيق، هو تطبيق لسيناريو دقيق تم إعداده من قبل المخابرات الايطالية والجزائرية، ويشير بعض الخبراء إلى أن الفرنسيين ورجال المخابرات المركزية الأميركية، لم يشاركوا في هذا السيناريو بصورة مباشرة، ولكنهم سرعان ما أبدوا اهتماما كبيرا بالنظام الذي خرج من عباءة هذا السيناريو.

ولكن هذا النظام كان من السوء، بحيث انه حتى الإصلاح التقليدي له أعطى نتائج عكسية. ويلاحظ أن الإصلاحات الاقتصادية والتعليمية التي نفذت في تونس أدت إلى أن تصبح تونس الدولة المغاربية الأكثر تعليما وازدهارا، ولكن في غمار هذا كله نشأ جيل من الشبان الذين تلقوا تعليما راقيا وعانوا من بطالة رهيبة. كما برزت أيضا طبقة متوسطة قلقة ومحبطة، ساهمت بشكل جوهري في سقوط بن علي.

وبعد أن استولى بن علي على السلطة في عام ‬1987، ضاعف قوام الشرطة التونسية ليصل عدد رجالها إلى ‬600 ألف رجل، بينما تجاهل الجيش إلى حد كبير، فلم يزد عدد رجاله عن ‬30 ألف جندي، كما أنه زود بأسلحة ومعدات متواضعة، فلم يزد ما لديه من طائرات الهليوكوبتر عن ‬12 طائرة. ويشير السفير الفرنسي السابق لدى تونس الأميرال جاك لاناد إلى أن ضباط الجيش التونسي كانوا جمهوريين في توجههم العام، وأن الجيش التونسي : «لم يكن جيشا يميل إلى الانقلابات، وإنما كان عامل اعتدال واستقرار».

ولم يشارك الجيش التونسي في قمع الانتفاضة بل وتشير مصادر موثوقة إلى أنه نصح بن علي في ‬14 يناير الماضي بأن أمامه فرصة لا تتجاوز ‬3 ساعات من الحركة الجوية ليغادر البلاد، وأن عليه أن يستغل هذه الفرصة.

وتشير الصحافة الفرنسية إلى أن ‬33 من أعضاء عائلة الرئيس التونسي السابق قد ألقي القبض عليهم، وتلك قصة مألوفة لأن الكثيرين منهم قد ارتبطوا بتربح شخصي هائل في ظل حكم بن علي.

ويلاحظ المراقبون أن الجهود التي بذلت حتى الآن لتشكيل الحكومة التونسية، لم يواكبها التوفيق منذ البداية. وبغض النظر عن الشكل النهائي الذي انتهت إليه فإن الشارع التونسي الغاضب لم يبد راضيا أو مقتنعا بأن تسند السلطة إلى مساعدي بن علي السابقين أو إلى شخصيات غير مألوفة من المعارضة، عاشت غالبا في المنفى.

وهذا المنعطف هو تقليديا الساحة التي يخطو فيها شخص على غرار نابليون بونابرت خطوته الأولى، وذلك على الرغم من أن الجيش التونسي ظل محتفظا بنظافة يده طوال صعود نظام بن علي وسقوطه.

ويلاحظ أنه تم إطلاق سراح العديد من السياسيين الذين كانوا معتقلين في تونس في ظل نظام زين العابدين بن علي، ولكن مظاهرات جديدة عادت لتفرض نفسها على الشارع التونسي، بما في ذلك الشارع في مدن الأقاليم، حيث مضت الجماهير تطالب بخروج المسؤولين الذين ارتبطوا بنظام بن علي من كل مواقع السلطة.

ويعتقد إريك غوب، وهو أحد الخبراء البارزين في شؤون العالم العربي والإسلامي، أن المستقبل في تونس قد يشهد تشكيل برلمان يشكل فيه الإسلاميون الحزب الأكبر، ولكن دون أن يتمتعوا بالأغلبية، وهو يشير في هذا الصدد إلى أن الأجيال التي تعلمت في ظل الإصلاحات التي شهدتها تونس لا ترغب في ان يحل محل بن علي من يقتربون ولو أدنى اقتراب من السعي إلى الدكتاتورية.

يصف المراقبون هذا الموقف بأنه موقف ناضج لتدخل أميركي وهو التدخل الذي لم تتردد صحيفة نيويورك تايمز، في افتتاحية أخيرة لها، في التوصية للقيام به. وقالت إن واشنطن ينبغي أن تبادر إلى تهنئة الشعب التونسي بحرارة، وأيضا : « مساعدته على تنظيم قوائم الناخبين والإشراف على الانتخاب». وكذلك أوصت الصحيفة بتقديم «مساعدة اقتصادية متواضعة». ولا بد أن من كتب هذا الكلام كان مصابا بالعمى، والعجز عن رؤية ما يجري في العالم الإسلامي خلال العقد المنصرم. ومن المؤكد أنه ينبغي أن يكون واضحا أن أي محاولة أميركية للتدخل في التطورات الجارية في دول الشرق الأوسط ستكون شيئا خطيرا، وستهدد ما يبدو الآن موقفا واعدا في المنطقة.