كشف الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف، أخيرا، الستار عن تمثال رخامي يصل ارتفاعه إلى 33 قدما للرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين الذي ساعد، باعتباره أول رئيس لروسيا، على إقرار الديمقراطية في الدولة الشيوعية السابقة.
وفي تونس أتمنى الآن أن تزيح الحكومة المؤقتة الستار عن تمثال رخامي يبلغ ارتفاعه 33 قدما، على الأقل، لمحمد بوعزيزي، البائع التونسي البالغ 26 عاما من العمر، والذي أشعل النار في نفسه أمام مبنى حكومي تونسي، فأطلق العنان لما يصفه بعض الصحافيين العرب الآن بأنه «الانتفاضة المجيدة».
وفي ضوء الكيفية التي انتشرت بها هذه «الانتفاضة المجدية» من ألبانيا إلى القاهرة فكازاخستان، فإن بوعزيزي قد أطلق العنان للتطور الدولي الأكثر أهمية منذ سقوط الاتحاد السوفييتي قبل 20 عاما مضت.
وللمرة الأولى فيما تعيه الذاكرة ينهض الملايين من الناس، الذين عانوا أشد المعاناة، ويرفعون قبضاتهم عاليا صائحين: «لسنا مضطرين لاحتمال المزيد».
للمرة الأولى فيما تعيه الذاكرة يضطر قادة لا يتمتعون بسمعة محمودة إلى التراجع، على نحو ملحوظ، والمبادرة بتقديم وعود بالتغيير آملين أن شعوبهم ستستجيب لما يقدمونه. وعلى الرغم من المخاطر الكبيرة التي لا تزال تكمن في رحاب المستقبل في العديد من دول العالم فإن حمى الحرية بدأت تنتشر في أرجاء العالم، وليس في الشرق الأوسط وحده.
في الصين عمد القائمون على الرقابة بمجرد بدء التظاهرات في القاهرة إلى التحرك، فأزالوا من الانترنت أي إشارة جادة إلى مصر، وانطبق ذلك على شبكات الراديو والتلفزيون وعلى المواقع والمدونات، وعلى غير ذلك من مجموعات النقاش عبر الانترنت، وذلك تحسبا من أن تنتقل هذه الظاهرة إلى الشعب الصيني.
وتظاهر أكثر من 20 ألف شخص غاضب في شوارع العاصمة الألبانية تيرانا مطالبين بإجراء انتخابات جديدة وعمد ضباط الحرس الوطني إلى قتل 3 من المتظاهرين، الأمر الذي فجر احتجاجات على نطلق أوسع في الأيام التالية.
طالب المئات من الروس الغاضبين باستقالة رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين واصفين حكومته بأنها تمارس «حكم اللصوص». وخاطب أحد قادة المعارضة الحشد الغاضب: «قولوا له كيف تختلف قيادتنا عن قيادات الشرق الأوسط».
وفي جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق تسابق حكام اتسموا بالقسوة والفساد على الإعلان أنهم سيجرون انتخابات حرة ونزيهة. وهو أمر لم يكن من المتصور أن يعلنوه قبل أسابيع قلائل. ولكن أكثر «التنازلات» إثارة للدهشة جاءت من عواصم في الشرق الأوسط، من قادة لم يكن من المتصور بالأمس القريب أن يقوموا بخطوات من هذه النوعية.
ويتوقف المراقبون عند الآن عند الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي أجل الانتخابات سنوات عدة أنه سيجري انتخابات جديدة في أقرب وقت ممكن.
وأنا على يقين من أن كل هؤلاء القادة يعرفون أن الجميع على امتداد العالم يتابع ما يجري في بلادهم الآن، وما من أحد منهم يريد أن يواجه المصير الذي لقيه من سبقوه من اضطروا إلى مغادرة بلادهم. ولكنهم يعرفون حق المعرفة أنه بعد أشهر قلائل من الآن ستكون اللحظة التي يواجهونها الآن قد انقضت، وسيكون اهتمام العالم قد انصرف إلى أمور أخرى، وبالتالي فإنهم يسعون إلى تغييرات تجميلية، ومواصلة المسير على نحو ما كانوا عليه في الماضي.
وحدهم الناس الذين يجوبون أرجاء الشوارع الآن في العديد من عواصم العالم يمكنهم مواصلة الضغط. هم وحدهم الذين يمكنهم المضي على الطريق، دون الاعتماد على أميركا، أو على أي دولة غربية أخرى، وإذا قدر لرؤساء الدول المعنية أن يعودوا إلى ما كانوا عليه، فإن هؤلاء الناس قادرون على أن يعودوا رافعين قبضاتهم عاليا، فهم وحدهم الذين يملكون السلطة المطلقة، وليس أحدا غيرهم.
ترجمة - عمر حرزالله
